Tafsir al-Tabari
51:27 - 51:29

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) ﴾

وقوله ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ ؟

وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر عليه منه وهو فقرّبه إليهم، فأمسكوا عن أكله، فقال: ألا تأكلون؟ فأوجس منهم، يقول: فأوجس في نفسه إبراهيم من ضيفه خيفة وأضمرها ﴿قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني: بإسحاق، وقال: عليم بمعنى عالم إذا كبر، وذكر الفراء أن بعض المشيخة كان يقول: إذا كان للعلم منتظرًا قيل: إنه لعالم عن قليل وغاية، وفي السيد سائد، والكريم كارم.

قال: والذي قال حسن. قال: وهذا أيضا كلام عربيّ حسن قد قاله الله في عليم وحكيم وميت.

ورُوي عن مجاهد في قوله ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ قال: إسماعيل.

وإنما قلت: عنى به إسحاق، لأن البشارة كانت بالولد من سارّة، وإسماعيل لهاجَر لا لسارّة.

* *

قوله ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾

يعنى: سارّة، وليس ذلك إقبال نقلة من موضع إلى موضع، ولا تحوّل من مكان إلى مكان، وإنما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى: أخذ في شتمي.

* *

وقوله ﴿فِي صَرَّةٍ﴾

يعني: قي صيحة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ يقول: في صيحة.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ يعني بالصرّة: الصيحة.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ قال: صيحة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ : أي أقبلت في رنة.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿صَرَّةٍ﴾ قال: أقبلت ترنَ. [[الرنة: الصيحة الحزينة. ورنت ترن رنينًا، وأرانت: صاحت.]]

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن العلاء بن عبد الكريم اليامي، عن ابن سابَط، قوله ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ قال: في صيحة.

⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ قال: الصرّة: الصيحة.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال؛ سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ يعني: صيحة. وقد قال بعضهم: إنَّ تلك الصيحة أوَّه مقصورة الألف.

* *

وقوله ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾

اختلف أهل التأويل في معنى صكها، والموضع الذي ضربته من وجهها، فقال بعضهم: معنى صكها: وجهها: لَطْمِها إياه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ يقول: لَطَمت.

وقال آخرون: بل ضربت بيدها جبهتها تعجبا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما بَشَّر جبريل سارةَ بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ضربت جبهتها عجبا، فذلك قوله ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال: جبهتها.

⁕ حدثني ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن العلاء بن عبد الكريم الياميّ، عن ابن سابط، قوله ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال: قالت هكذا؛ وضرب سفيان بيده على جبهته.

⁕ قال: ثنا مهران؛ عن سفيان ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ وضعت يدها على جبهتها تعجبا، والصكّ عند العرب: هو الضرب. وقد قيل: إن صكها وجهها، أن جمعت أصابعها، فضربت بها جبهتها ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ يقول: وقالت: أتلد، وحذفت أتلد لدلالة الكلام عليه، وبضمير أتلد رفعت عجوز عقيم، وعني بالعقيم: التي لا تلد.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سليمان، أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن مشاش، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ قال: لا تلد.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا رجل من أهل خراسان من الأزد، يكني أبا ساسان، قال: سألت الضحاك، عن قوله ﴿عَقِيمٌ﴾ قال: التي ليس لها ولد.