Welcome to the Tafsir Tool!
This allows users to review and suggest improvements to the existing tafsirs.
If you'd like to contribute to improving this tafsir, simply click the Request Access button below to send a request to the admin. Once approved, you'll be able to start suggesting improvements to this tafsir.
تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَّحْمَنِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: كَيْفَ تَعْرِفُ هَذَا الْحَرْفَ: "مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ أَوْ آسِنٍ"؟ فَقَالَ: كُلَّ الْقُرْآنِ قَدْ قَرَأْتَ. قَالَ: إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ؛ أَجْمَعَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ: أَهَذًّا كهذِّ الشِّعْرِ، لَا أَبَا لَكَ؟ قَدْ عَلِمْتُ قَرَائِنَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يَقْرِنُ قَرِينَتَيْنِ قَرِينَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مُفَصَّلِ ابْنِ مَسْعُودِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [[المسند (١/٤١٢) .]] .
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَاقِدٍ أَبُو مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ "الرَّحْمَنِ" مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا فَقَالَ: "لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ -رَبَّنَا-نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ" [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩١) .]] .
ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ حَكَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ، يُنْكِرُ [[في م، أ: "يستنكر".]] رِوَايَةَ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ هَذَا.
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٣) من طريق هشام بن عمار وعبد الرحمن بن واقد، كلاهما عن الوليد بن مسلم به.]] .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الْبَصْرِيُّ قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ سُورَةَ "الرَّحْمَنِ" -أَوْ: قُرِئَت عِنْدَهُ-فَقَالَ: "مَا لِي أَسْمَعُ الْجِنَّ أَحْسَنَ جَوَابًا لِرَبِّهَا مِنْكُمْ؟ " قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إِلَّا قَالَتِ الْجِنُّ: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعْمَةِ [[في م، أ: "نعم".]] رَبِّنَا نُكَذِّبُ".
وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَزَّارُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، بِهِ [[مسند البزار (٢٢٦٩) "كشف الأستار" وشيخه عمرو بن مالك الراسبي ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.]] . ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه بهذا الإسناد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* * *
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ: أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى عِبَادِهِ الْقُرْآنَ وَيَسَّرَ حِفْظَهُ وَفَهْمَهُ عَلَى مَنْ رَحِمَهُ، فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الإنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: النُّطْقَ [[في أ: "المنطق".]] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: يَعْنِي الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقَوْلُ الحسن ها هنا أَحْسَنُ وَأَقْوَى؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي تَعْلِيمِهِ تَعَالَى الْقُرْآنَ، وَهُوَ أَدَاءُ تِلَاوَتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِتَيْسِيرِ النُّطْقِ عَلَى الْخَلْقِ وَتَسْهِيلِ خُرُوجِ الْحُرُوفِ مِنْ مَوَاضِعِهَا مِنَ الْحَلْقِ وَاللِّسَانِ وَالشَّفَتَيْنِ، عَلَى اخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا وَأَنْوَاعِهَا.* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ أَيْ: يَجْرِيَانِ مُتَعَاقِبَيْنَ بِحِسَابٍ مُقَنَّن لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَضْطَرِبُ، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٦] .وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ نُورَ جَمِيعِ أَبْصَارِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ فِي عَيْنَيْ عَبْدٍ، ثُمَّ كَشَفَ حِجَابًا وَاحِدًا مِنْ سَبْعِينَ حِجَابًا دُونَ الشَّمْسِ، لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا. وَنُورُ الشَّمْسِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ، وَنُورُ الْكُرْسِيِّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَنُورُ الْعَرْشِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نُورِ السِّتْرِ. فَانْظُرْ مَاذَا أَعْطَى اللَّهُ عَبْدَهُ مِنَ النُّورِ فِي عَيْنَيْهِ وَقْتَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ رَبِّهِ الْكَرِيمِ عِيَانًا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ، فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: النَّجْمُ مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -يَعْنِي مِنَ النَّبَاتِ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَقَدِ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّجْمُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ١٨] .
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ يَعْنِي: الْعَدْلَ، كَمَا قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي: خلق السموات وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، لِتَكُونَ [[في م: "ليكون".]] الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ أَيْ: لَا تَبْخَسُوا الْوَزْنَ، بَلْ زِنوا بِالْحَقِّ وَالْقِسْطِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ١٨٢] .* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ﴾ أَيْ: كَمَا رَفَعَ السَّمَاءَ وَضَعَ الْأَرْضَ وَمَهَّدَهَا، وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الشَّامِخَاتِ، لِتَسْتَقِرَّ لِمَا عَلَى وَجْهِهَا مِنَ الْأَنَامِ، وَهُمُ: الْخَلَائِقُ الْمُخْتَلِفَةُ أَنْوَاعُهُمْ وَأَشْكَالُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، فِي سَائِرِ أَقْطَارِهَا وَأَرْجَائِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: الْأَنَامُ: الْخَلْقُ.﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أَيْ: مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ﴾ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَنَفْعِهِ، رَطْبًا وَيَابِسًا. وَالْأَكْمَامُ -قَالَ ابْنُ جُرَيْج عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ أَوْعِيَةُ الطَّلْعِ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ الَّذِي يَطْلُعُ فِيهِ الْقِنْوُ ثُمَّ يَنْشَقُّ عَنِ الْعُنْقُودِ، فَيَكُونُ بُسْرًا ثُمَّ رُطَبًا، ثُمَّ يَنْضَجُ وَيَتَنَاهَى يَنْعُه وَاسْتِوَاؤُهُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[في أ: "ابن جرير".]] ذُكِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ الْحَارِثِ الطَّائِفِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أُخْبِرُكَ أَنَّ رُسُلِي أَتَتْنِي مِنْ قِبَلِكَ، فَزَعَمَتْ أَنَّ قِبَلَكُمْ شَجَرَةً لَيْسَتْ بِخَلِيقَةٍ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، تَخْرُجُ مِثْلَ آذَانِ الْحَمِيرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ، ثُمَّ تَخْضَرُّ فَتَكُونُ مِثْلَ الزُّمُرُّدِ [[في م: "كالرمد".]] الْأَخْضَرِ، ثُمَّ تَحْمَرُّ فَتَكُونُ كَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، ثُمَّ تَيْنَع وَتَنْضَجُ فَتَكُونُ كَأَطْيَبِ فَالَوْذَجَ أُكِل، ثُمَّ تَيْبَسُ فَتَكُونُ عِصْمَةً لِلْمُقِيمِ وَزَادًا لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ تَكُنْ رُسُلِي صَدَقَتْنِي فَلَا أَرَى هَذِهِ الشَّجَرَةَ إِلَّا مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [[في م: "عمر بن عبد الله".]] مِنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، إِنَّ رُسُلَكَ قَدْ صَدَقُوكَ [[في م، أ: "صدقتك".]] ، هَذِهِ الشَّجَرَةُ عِنْدَنَا، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أَنْبَتَهَا اللَّهُ عَلَى مَرْيَمَ حِينَ نُفِسَتْ بِعِيسَى ابْنِهَا، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَّخِذْ عِيسَى إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّ ﴿مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩، ٦٠] [[في م: "تكونن".]] .
وَقِيلَ: الْأَكْمَامُ رُفَاتُهَا، وَهُوَ: اللِّيفُ الَّذِي عَلَى عُنُقِ النَّخْلَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وقَتَادَةَ.
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ يعني: التبن.
وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْعَصْفِ﴾ وَرَقُ الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فَهُوَ يُسَمَّى الْعَصْفَ إِذَا يَبِسَ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو مَالِكٍ: عَصْفُهُ: تِبْنُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ يَعْنِي: الْوَرَقَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ رَيْحَانُكُمْ هَذَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ خَضِرُ [[في أ: "خضرة".]] الزَّرْعِ.
وَمَعْنَى هَذَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْحَبَّ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا لَهُ فِي حَالِ نَبَاتِهِ عَصْفٌ، وَهُوَ: مَا عَلَى السُّنْبُلَةِ، وَرَيْحَانٌ، وَهُوَ: الْوَرَقُ الْمُلْتَفُّ عَلَى سَاقِهَا.
وَقِيلَ: الْعَصْفُ: الْوَرَقُ أَوَّلَ مَا يُنْبِتُ الزَّرْعُ بَقْلًا. وَالرَّيْحَانُ: الْوَرَقُ، يَعْنِي: إِذَا أَدْجَنَ وَانْعَقَدَ فِيهِ الْحَبُّ. كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ.
وَقُولا لَهُ: مَنْ يُنْبِتُ الحَبَّ فِي الثَّرى ... فَيُصْبِحَ مِنْهُ البقلُ يَهْتَزُّ رابيا؟ ...
وَيُخْرجَ منْه حَبَّه في رُؤوسه؟ ... فَفي ذَاكَ آياتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا [[انظر الأبيات في السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٢٨) .]]
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أَيْ: فَبِأَيِّ الْآلَاءِ [[في م: "آلاء".]] -يَا مَعْشَرَ الثَّقَلَيْنِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ-تُكَذِّبَانِ؟ قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ بَعْدَهُ، أَيِ: النِّعَمُ ظَاهِرَةٌ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَغْمُورُونَ بِهَا، لَا تَسْتَطِيعُونَ إِنْكَارَهَا وَلَا جُحُودَهَا [[في م: "جحدها".]] ، فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجِنُّ الْمُؤْمِنُونَ: "اللَّهُمَّ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نكذِّب، فَلَكَ الْحَمْدُ". وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "لَا بأيِّها يَا رَبِّ". أَيْ: لَا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وهو يَقْرَأُ، وَهُوَ يُصَلِّي نَحْوَ الرُّكْنِ قَبْلَ أَنْ يُصْدَعَ بِمَا يُؤْمَرُ، وَالْمُشْرِكُونَ يَسْتَمِعُونَ [[في م: "يسمعون".]] ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [[المسند (٦/٣٤٩) .]] .