Tafsir al-Tabari
55:62 - 55:67

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: ومن دون هاتين الجنتين -اللتين وصف الله جلّ ثناؤه صفتهما التي ذكر أنهما لمن خاف مقام ربه - جنتان.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ في هذا الموضع، فقال: بعضهم: معنى ذلك: ومن دونهما في الدَّرَج.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن منصور الطوسيّ، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله " وكان عرشه على الماء " قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها جنة أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة. قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وهي التي لا تعلم، أو قال: وهما التي لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون. قال: وهى التي لا تعلم الخلائق ما فيهما، أو ما فيها، يأتيهم كلّ يوم منها أو منهما تحفة.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير بنحوه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن دونهما في الفضل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ : هما أدنى من هاتين لأصحاب اليمين.

* *

وقوله ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

يقول: فبأيّ نعم ربكما التي أنعم عليكم -بإثابته أهل الإحسان ما وصف من هاتين الجنتين - تكذّبان؟

* *

وقوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾

يقول تعالى ذكره: مسوادّتان من شدة خضرتهما.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ يقول: خضراوان.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان من الريّ، ويقال: ملتفتان.

⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: أخبرنا محمد بن بشر قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن حارثة بن سليمان السلميّ، قال: سمعت ابن الزبَير وهو يفسر هذه الآية على المنبر، وهو يقول: هل تدرون ما ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ؟ خضراوان من الريّ.

⁕ حدثني محمد بن عمارة هو الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن حارثة بن سليمان، هكذا قال، قال ابن الزُّبَير: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ خضراوان من الريّ.

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حارثة بن سليمان، أن ابن الزُّبَير قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: هما خضراوان من الريّ.

⁕ حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان من الرِّيّ.

⁕ حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ، قال: خضراوان من الريّ.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: علاهما الريّ من السواد والخضرة.

⁕ قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: مسوادّتان.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ يقول: خضراوان من الريّ ناعمتان.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان من الريّ: إذا اشتدت الخضرة ضربت إلى السواد.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: ناعمتان.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: مسوادتّان من الريّ.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ قال: جنتا السابقين، فقرأ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ ، وقرأ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، ثم رجع إلى أصحاب اليمين، فقال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ ، فذكر فضلهما وما فيهما، قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ من الخضرة من شدة خضرتهما، حتى كادتا تكونان سَوْداوين.

⁕ حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن حُبَير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال: خضراوان.

* *

وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

يقول: فبأيّ نِعَم ربكما التي أنعم عليكم -بإثابته أهل الإحسان ما وصف في هاتين الجنتين- تكذّبان.

* *

وقوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾

يقول تعالى ذكره: في هاتين الجنتين اللتين من دون الجنتين اللتين هما لمن خاف مقام ربه، عينان نضاختان، يعني: فوّارتان.

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي تنضخان به، فقال بعضهم: تنضخان بالماء.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: ينضخان بالماء.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: تنضخان بالماء.

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ يقول: نضاختان بالماء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهما ممتلئتان.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: ممتلئتان لا تنقطعان.

وقال آخرون: تنضخان الماء والفاكهة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: بالماء والفاكهة.

وقال آخرون: نضاختان بألوان الفاكهة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال: نضاختان بألوان الفاكهة.

وقال آخرون: نضاختان بالخير.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ يقول: نضاختان بالخير.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك أنهما تنضخان بالماء، لأنه المعروف بالعيون إذ كانت عيون ماء.

* *

وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

يقول تعالى ذكره: فبأيّ نِعم ربكما التي أنعم عليكم -بإثابته محسنكم هذا الثواب الجزيل- تكذّبان؟.