Tafsir al-Tabari
56:1 - 56:6

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) ﴾

يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ : إذا نزلت صيحة القيامة، وذلك حين يُنفخ في الصور لقيام الساعة.

كما:-

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ يعني: الصيحة.

⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ الواقعة والطامة والصاخة، ونحو هذا من أسماء القيامة، عظَّمه الله، وحذره عباده.

* *

وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾

يقول تعالى: ليس لوقعة الواقعة تكذيب ولا مردودية ولا مثنوية، والكاذبة في هذا الموضع مصدر، مثل العاقبة والعافية.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ : أي ليس لها مثنوية، ولا رجعة، ولا ارتداد.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر؛ عن قتادة، في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ قال: مثنوية.

* *

وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾

يقول تعالى ذكره: الواقعة حينئذ خافضة، أقواما كانوا في الدنيا، أعزّاء إلى نار الله.

* *

وقوله: ﴿رَافِعَةٌ﴾

يقول: رفعت أقواما كانوا في الدنيا وُضعَاء إلى رحمة الله وجنته. وقيل: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى.

ذكر من قال في ذلك ما قلنا:

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتَكِيّ، عن عثمان بن عبد الله بن سُراقة ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ يقول: تخللت كلّ سهل وجبل، حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله، وخفضت أقواما في عذاب الله.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وقال: أسمعت القريب والبعيد، خافضة أقواما إلى عذاب الله، ورافعة أقواما إلى كرامة الله.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: خفضت وأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى؛ قال: فكان القريب والبعيد من الله سواء.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال: سمَّعت القريب والبعيد.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ خفضت فأسمعت الأدنى ورفعت فأسمعت الأقصى، فكان فيها القريب والبعيد سواء.

* *

وقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾

يقول تعالى ذكره: إذا زلزلت الأرض فحرّكت تحريكا من قولهم السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى: يهتزّ ويضطرب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ يقول: زلزلها.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قول الله ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قال: زلزلت.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ يقول: زلزلت زلزلة.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ قال: زلزلت زلزالا.

* *

وقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾

يقول تعالى ذكره: فتتت الجبال فتا، فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ والبسيسة عند العرب: الدقيق والسويق تلتّ وتتخذ زادا.

وذُكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز، فخاف أن يعجل عن الخبز قبل الدقيق وأكله عجينا، وقال:

لا تَخْبِزَا خَبْزًا وبُسَّا بَسَّا مَلْسا بِذَوْدِ الحَلَسِيّ مَلْسا [[هذا الشاهد من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ١٧٤ - ب) عند قوله تعالى: (وبست الجبال بسا) قال: مجازها كمجاز السويق المبسوس، أي المبلول والعجين. قال لص من غطفان وأراد أن يخبز، فخاف أن يعجل عن الخبز قبل الدقيق، فأكله عجينا، فقال: " لا تخبزا خبزا وبسا بسا ". اهـ. وفي (اللسان: ملس) : والملس: السوق الشديد. وفي بس: وقال ثعلب: معنى: وبست الجبال بسا: خلطت بالتراب. وقال بعضهم:فتت، وقال بعضهم: سويت. اهـ. ولم يورد أبو عبيدة البيت الثاني وأنشد صاحب اللسان البيت الأول، وجاء بعده ببيت آخر، وهو: * ولا تطيلا بمناخ حيسا *

وأنشد في "ملس" البيت الثاني قال: والملس: السوق الشديد. يقال ملست بالإِبل أملس (من باب قتل) ملسا: إذا سقتها سوقا في خفية، قال الراجز: * ملسا يذود الحلسي ملسا *

وقال ابن الأعرابي الملس: ضرب من السير الرقيق. والملس: اللين من كل شيء. اهـ.

وأنشده الفراء في معاني القرآن البيتين كرواية المؤلف. وقال (الورقة ٣٢٢) : " وبست الجبال بسا ": صارت كالدقيق، وذلك قوله " وسيرت الجبال ". وسمعت العرب تنشد: "لا تخبزا خبزا ... البيتين ". والبسيسة عندهم: الدقيق أو السويق، يليت ويتخذ زادا. اهـ. وفي النوادر لأبي زيد (بيروت ١١) : مَلْسا بِذَوْدِ الحُمَسِيَّ مَلْسا ... مِنْ غَنْوَةٍ حتى كَانَّ الشَّمْسا

بالأُفُقِ الغَرْبِيّ تُطْلَى وَرْسَا *

قال أبو زيد: الملس: السير الشديد. قال أبو حاتم: وأقول أنا لا عن أبي زيد: الملس السير السريع السهل. وقوله " تطلى ورسا قد اصفرت للغروب ". اهـ.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ يقول: فتتت فتا.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فتتت.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: كما يبس السويق.

⁕ حدثني أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرِمة ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتَّتْ فتا.

⁕ حدثني إسماعيل بن موسى ابن بنت السديّ، قال: أخبرنا بشر بن الحكم الأحمسيّ، عن سعيد بن الصلت، عن إسماعيل السديّ وأبي صالح ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتِّتت فتا.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: كما يبس السويق.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: صارت كثيبا مهيلا كما قال الله.

⁕ حدثنا ابن حُميَد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ قال: فُتتت فتا.

* *

وقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾

اختلف أهل التأويل في معنى الهباء، فقال بعضهم: هو شعاع الشمس، الذي يدخل من الكوة كهيئة الغبار.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يقول: شعاع الشمس.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.

⁕ قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: شعاع الشمس يدخل من الكوّة، وليس بشيء.

وقال آخرون: هو رهج الدوابّ.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: رهج الدوابّ.

وقال آخرون: هو ما تطاير من شرر النار الذي لا عين له.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ قال: الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا.

وقال آخرون: هو يبيس الشجر الذي تذروه الرياح.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر، تذروه الرياح يمينا وشمالا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يقول: الهباء: ما تذروه الريح من حطام الشجر.

وقد بيَّنا معنى الهباء في غير هذا الموضع بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وأما قوله: ﴿مُنْبَثًّا﴾ فإنه يعني متفرّقا.