Tafsir al-Tabari
56:65 - 56:67

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: لو نشاء جعلنا ذلك الزرع الذي زرعناه حُطامًا، يعني هشيما لا يُنْتفع به في مطعم وغذاء.

* *

وقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم من المصيبة باحتراقه وهلاكه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال: تعجبون.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال: تعجبون.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال: تعجبون.

وقال آخرون: معنى ذلك: فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم جلّ ثناؤه، حتى نالكم بما نالكم من إهلاك زرعكم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ يقول: تلاومون.

⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب البكري، عن عكرِمة ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال: تلاومون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلتم تندمون على ما سلف منكم في معصية الله التي أوجب لكم عقوبته، حتى نالكم في زرعكم ما نالكم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال: تندمون.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال تندمون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلتم تعجبون.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ قال: تعجبون حين صنع بحرثكم ما صنع به، وقرأ قول الله عزّ وجلّ ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ وقرأ قول الله ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ قال: هؤلاء ناعمين، وقرأ قول الله جل ثناؤه ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ . . . إلى قوله: ﴿كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ﴿فَظَلْتُمْ﴾ : فأقمتم تعجبون مما نزل بزرعكم وأصله من التفكه بالحديث إذا حدّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يعجب منه، ويلهى به، فكذلك ذلك. وكأن معنى الكلام: فأقمتم تتعجبون يُعََجِّب بعضكم بعضا مما نزل بكم.

* *

وقوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾

اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم: إنا لمولع بنا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا يزيد بن الحباب قال: أخبرني الحسين بن واقد، قال: ثني يزيد النحويّ عن عكرِمة، في قول الله تعالى ذكره ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قال: إنا لمولع بنا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي لمولع بنا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لمعذّبون.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ : أي معذّبون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لملقون للشرّ.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قال: مُلْقون للشرّ.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إنا لمعذّبون، وذلك أن الغرام عند العرب: العذاب، ومنه قول الأعشى:

يُعاقِبْ يَكُنْ غَرَاما وَإنْ يعط جَزيلا فإنَّهُ لا يُبالي [[البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة. وقد مر الاستشهاد به في الجزء التاسع عشر ص ٣٥ من هذه الطبعة. فراجعه ثمة وأنشده المؤلف هنا عند قوله تعالى "إنا لمغرمون" وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ١٧٦ -١) معذبون، وأنشد بيت بشر بن أبي خازم: ويوم النسار ويوم الجفا ... ر كان عذابا وكان غراما

وقد مر تفسير هذا البيت في (١٩: ٣٦) من هذه الطبعة، فراجعه ثمة.]] يعني بقوله: يكن غرامًا: يكن عذابًا. وفي الكلام متروك اكتفى بدلالة الكلام عليه، وهو: فظلتم تفكهون "تقولون" إنا لمغرمون، فترك تقولون من الكلام لما وصفنا.

* *

وقوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾

يعني بذلك تعالى ذكره أنهم يقولون: ما هلك زرعنا وأصبنا به من أجل ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ولكنا قوم محرومون، يقول: إنهم غير مجدودين، ليس لهم جًدّ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قال: حُورِفنا فحرمنا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قال: أي محارَفون.