Tafsir al-Tabari
56:71 - 56:73

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زَنْدكم ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ يقول: أأنتم أحدثتم شجرتها واخترعتم أصلها ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ يقول: أَمْ نحن اخترعنا ذلك وأحدثناه؟.

* *

وقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾

يقول: نحن جعلنا النار تذكرة لكم تذكرون بها نار جهنّم، فتعتبرون وتتعظون بها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿تَذْكِرَةً﴾ قال: تذكرة النار الكبرى.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ للنار الكبرى.

ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال: "نَارُكُمْ هَذِهِ التِي تُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، قالوا: يا نبيّ الله إنْ كَانَتْ لكَافِية، قَالَ: قَدْ ضُرِبَتْ بالمَاءِ ضَرْبَتَيْنِ أَوْ مَرَّتَيْنِ، لِيسْتَنْفَعَ بِهَا بَنُو آدَمَ وَيَدْنُو مِنْها".

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد ﴿تَذْكِرَةً﴾ قال: للنار الكبرى التي في الآخرة.

* *

وقوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾

اختلف أهل التأويل في معنى المقوين، فقال بعضهم: هم المسافرون.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: للمسافرين.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: يعني المسافرين.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال للمُرْمل: المسافر.

⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة وفي قوله: ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: للمسافرين.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: للمسافرين.

وقال آخرون: عُنِي بالْمُقْوِين: المستمتعون بها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ للمستمتعين الناس أجمعين.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ للمستمتعين المسافر والحاضر.

⁕ حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشر، عن خصيف في قوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: للخلق.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك: الجائعون.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: المقوي: الجائع: في كلام العرب، يقول: أقويت منه كذا وكذا: ما أكلت منه كذا وكذا شيئًا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عُنِي بذلك للمسافر الذي لا زاد معه، ولا شيء له، وأصله من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من أهلها وسكانها كما قال الشاعر:

أَقْوَى وأقْفَرَ مِنْ نُعْمٍ وغَيَّرَها هُوجُ الرّياح بهابي التُّرْبِ مَوَّارِ [[البيت للنابغة الذبياني من قصيدته التي مطلعها "عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار" وهو البيت الثاني بعد المطلع. ذكرها وليم الورد البروسي في العقد الثمين، ص ٢٦٩ وجعلها من الشعر المنحول إلى النابغة. والقصيدة سبعة وأربعون بيتا. واستشهد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى "ومتاعا للمقوين" قال: عني بذلك المسافر الذي لا زاد معه ولا شيء، وأصله من أقوت الدار: إذا خلت من أهلها وسكانها، كما قال الشعر: "أقوى وأقفر ... البيت". يعني بقوله "أقفر": خلا من سكانه. اهـ.]]

يعني بقوله "أقوى": خلا من سكانه، وقد يكون المقوي: ذا الفرس القويّ، وذا المال الكثير في غير هذا الموضع.