Tafsir al-Tabari
56:90 - 56:94

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ الميت ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ الذين يؤخذ بهم إلى الجنة من ذات أيمانهم ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ .

ثم اختلف في معنى قوله: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فقال أهل التأويل فيه ما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ فسلام لك من أصحاب اليمين قال: سلام من عند الله، وسلمت عليه ملائكة الله.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال: سلم مما يكره.

وأما أهل العربية، فإنهم اختلفوا في ذلك [[جمهور كلام المؤلف الذي نقله عن أهل العربية من نحاة الكوفة هنا: هو من كلام الفراء في معاني القرآن، (الورقة ٣٢٥ من مصورة الجامعة) نقل بعضه بنصه وتصرف في بعضه بلفظه.]] فقال بعض نحوَّيي البصرة ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ : أي فيقال سلم لك. وقال بعض نحوَّيي الكوفة: قوله: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ : أي فذلك مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وألقيت "أن" ونوى معناها، كما تقول: أنت مصدّق مسافر عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل، وكذلك يجب معناه أنك مسافر عن قليل، ومصدّق عن قليل. قال: وقوله: ﴿فَسَلامٌ لَكَ﴾ معناه: فسلم لك أنت من أصحاب اليَمِين. قال: وقد يكون كالدعاء له، كقوله: فسُقيًا لك من الرجال. قال: وإن رفعت السلام فهو دعاء، والله أعلم بصوابه.

وقال آخر منهم قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فإنه جمع بين جوابين، ليعلم أن أمَّا جزاء: قال: وأما قوله: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال: وهذا أصل الكلمة مسلم لك هذا، ثم حذفت "أن" وأقيم "مِنْ" مَقامها. قال: وقد قيل: فسلام لك أنت من أصحاب اليَمِين، فهو على ذاك: أي سلام لك، يقال: أنت من أصحاب اليمين، وهذا كله على كلامين.

قال: وقد قيل مسلم: أي كما تقول: فسلام لك من القوم، كما تقول: فسُقيًا لك من القوم، فتكون كلمة واحدة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معناه: فسلام لك إنك من أصحاب اليمين، ثم حُذفت واجتزئ بدلالة مِنْ عليها منها، فسلمت من عذاب الله، ومما تكره، لأنك من أصحاب اليمين.

* *

وقوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾

يقول تعالى: وأما إن كان الميت من المكذّبين بآيات الله، الجائرين عن سبيله، فله نزل من حميم قد أغلي حتى انتهى حرّه، فهو شرابه. ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ يقول: وحريق النار يحرق بها؛ والتصلية: التفعلة من صلاة الله النار فهو يصليه تصلية، وذلك إذا أحرقه بها.