Tafsir al-Tabari
67:22 - 67:22

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ (٢٢) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي﴾ أيها الناس ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ لا يبصر ما بين يديه، وما عن يمينه وشماله ﴿أَهْدَى﴾ : أشدّ استقامة على الطريق، وأهدى له، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مشي بني آدم على قدميه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: على طريق لا اعوجاج فيه؛ وقيل ﴿مُكِبًّا﴾ لأنه فعل غير واقع، وإذا لم يكن واقعا أدخلوا فيه الألف، فقالوا: أكبّ فلان على وجهه، فهو مكبّ؛ ومنه قول الأعشى:

مُكِبا على رَوْقَيْه يَحْفِرُ عِرْقَها عَلَى ظَهْر عُرْيان الطَّرِيقةِ أهْيَما [[البيت لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه ٢٩٥) من قصيدة يمدح بها إياس بن قبيصة الطائي، والبيت في وصف ثور شبه به ناقة. ومكبا: مطأطئا رأسه يحفر الأرطاة (في البيت قبله) ليتخذ فيها كناسا يأوى إليه. وروقية: قرنيه. وعلى ظهر عريان الطريقة: على ظاهر الطريق. وأهيم منهار لا يتماسك، وهو من صفة (عريان الطريقة) . يقول: أكب الثور على أصل الشجرة بقرينه يحفر فيها بيتا يؤويه، في هذا الموضع المكشوف، الذي تنهال رماله غير متماسكة. وقد أورد المؤلف البيت شاهدا على قول الله تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه) أي مطرقا إلى الأرض. وقال الفراء في معاني القرآن. (الورقة ٣٣٨) وقوله: (أفمن يمشي مكبا على وجهه) تقول: قد أكب الرجل إذا كان فعل غير واقع على أحد (غير متعد) فإذا وقع الفعل (تعدى) أسقطت الألف، فتقول: قد كبه الله لوجهه، وكببته أنا لوجهه. اهـ]]

فقال: مكبا، لأنه فعل غير واقع، فإذا كان واقعا حُذفت منه الألف، فقيل: كببت فلانا على وجهه وكبه الله على وجهه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: من يمشي في الضلالة أهدى، أم من يمشي مهتديا؟.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ قال: في الضلالة ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: حقّ مستقيم.

⁕ حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ يعني الكافر أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ المؤمن؟ ضرب الله مثلا لهما.

وقال آخرون: بل عنى بذلك أن الكافر يحشره الله يوم القيامة على وجهه، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ يوم القيامة ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ يومئذ.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى﴾ "هو الكافر أكبّ على معاصي الله في الدنيا، حشره الله يوم القيامة على وجهه، فقيل: يا نبيّ الله كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: "إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه"

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ قال: هو الكافر يعمل بمعصية الله، فيحشره الله يوم القيامة على وجهه. قال معمر: قيل للنبيّ ﷺ: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إنَّ الَّذِي أمْشاهُم على أقْدَامِهمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشيَهُمْ عَلى وُجُوهِهِمْ"

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال المؤمن عمل بطاعة الله، فيحشره الله على طاعته.