Tafsir al-Tabari
81:17 - 81:20

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) ﴾

.

أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالليل إذا عسعس، يقول: وأقسم بالليل إذا عسعس.

واختلف أهل التأويل في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فقال بعضهم: عُنِيَ بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يقول: إذا أدبر.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يعني: إذا أدبر.

⁕ حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل عن أبي ظَبيان، قال: كنت أتبع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو خارج نحو المشرق، فاستقبل الفجر، فقرأ هذه الآية: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ .

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام مما يلي باب السوق، وقد طلع الصبح أو الفجر، فقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أين السائل عن الوتر، نعم ساعة الوتر هذه.

ثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إقباله، ويقال: إدباره.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ : إذا أدبر.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إذا أدبر.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرج عليّ عليه السلام بعد ما أذّن المؤذّن بالصبح، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أين السائل عن الوتر؟ قال: نعم ساعة الوتر هذه.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: عسعس تولى، وقال: تنفس الصبح من هاهنا، وأشار إلى المشرق طلاع الفجر.

وقال آخرون: عُني بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أقبل بظلامه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ قال: إذا غَشِيَ الناسَ.

⁕ حدثنا الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثني أبي، عن الفضيل، عن عطية (وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) قال: أشار بيده إلى المغرب.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: إذا أدبر، وذلك لقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ فدلّ بذلك على أن القسم بالليل مدبرًا، وبالنهار مقبلا والعرب تقول: عسعس الليل، وسَعْسَع الليل: إذا أدبر، ولم يبق منه إلا اليسير؛ ومن ذلك قول رُؤْبة بن العجاج:

يا هِنْدُ ما أسْرَعَ ما تَسَعْسَعا ... وَلَوْ رَجا تَبْعَ الصِّبا تَتَبَّعا [[الجبرية والجبروت واحد، وهو من صفات الله العلي. الجبار: القاهر فوق عباده، يقهرهم على ما أراد من أمر ونهي، سبحانه وتعالى.]]

فهذه لغة من قال: سعسع؛ وأما لغة من قال: عسعس، فقول علقمة بن قُرْط:

حتى إذَا الصُّبْحُ لَهَا تَنَفَّسا ... وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وَعَسْعَسا [[الصغرة جمع صاغر: وهو الراضي بالذل المقر به. والأذلة جمع ذليل.]]

يعني أدبر. وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب، يزعم أن عسعس: دنا من أوّله وأظلم. وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا:

عَسْعَسَ حتى لَوْ يشاءُ إدَّنا ... كانَ لَه مِنْ ضَوْئِهِ مَقْبَسُ [[الخبر ١٦٦ - سبق الكلام مفصلا في ضعف هذا الإسناد ١٣٧. وهذا الخبر، مع باقيه الآتي ١٦٧ نقله ابن كثير ١: ٤٦ دون إسناد ولا نسبة، ونقله السيوطي ١: ١٤ ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم. وقال ابن كثير: " وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف. وهو ظاهر".]]

يقول: لو يشاء إذ دنا، ولكنه أدغم الذال في الدال، قال الفراء: فكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع.

* *

وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾

يقول: وضوء النهار إذا أقبل وتبين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ قال: إذا نشأ.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ : إذا أضاء وأقبل.

* *

وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾

يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لتنزيل رسول كريم؛ يعني: جبريل، نزله على محمد بن عبد الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه كان يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: جبريل.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أنه كان يقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ قال: هو جبريل.

* *

وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾

يقول تعالى ذكره: ذي قوّة، يعني: جبرائيل على ما كلف من أمر غير عاجز ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ يقول: هو مكين عند ربّ العرش العظيم.