Welcome to the Tafsir Tool!
This allows users to review and suggest improvements to the existing tafsirs.
If you'd like to contribute to improving this tafsir, simply click the Request Access button below to send a request to the admin. Once approved, you'll be able to start suggesting improvements to this tafsir.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكِينَ لَمَّا ارْتَحَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَعْضَ الطَّرِيقِ نَدِمُوا وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ تَرَكْنَاهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتَّى رَجَعُوا عَمَّا هَمُّوا بِهِ.
سَنُلْقِي أَيْ: سَنَقْذِفُ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الْخَوْفَ وَقَرَأَ [[في "أ": (وقال) .]] أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ ﴿الرُّعُبَ﴾ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِهَا، ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً وَبُرْهَانًا، ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ مَقَامُ الْكَافِرِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أُحُدٍ وَقَدْ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا؟ وَقَدْ وَعَدَنَا اللَّهُ النَّصْرَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِينَةَ وَجَعَلَ عَيْنَيْنَ، وَهُوَ جَبَلٌ عَنْ يَسَارِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الرُّمَاةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَقَالَ لَهُمُ: احْمُوا ظُهُورَنَا فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقَتَّلُ فَلَا تَنْصُرُونَا، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَأَخَذُوا فِي الْقِتَالِ فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَرْشُقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بِالسُّيُوفِ، حَتَّى وَلَّوْا هَارِبِينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أَيْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا بِقَضَاءِ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْحَسُّ: هُوَ الِاسْتِئْصَالُ بِالْقَتْلِ.
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أَيْ: إِنْ جَبُنْتُمْ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَمَّا فَشِلْتُمْ، ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ فِي ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ يَعْنِي: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ تَنَازَعْتُمْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ فَشِلْتُمْ وَمَعْنَى التَّنَازُعِ الِاخْتِلَافُ.
وَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ الرُّمَاةَ اخْتَلَفُوا حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْهَزَمَ الْقَوْمُ فَمَا مُقَامُنَا؟ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُجَاوِزُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعَشْرَةِ.
فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَى الرُّمَاةِ فَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَصْحَابَهُ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَالَتِ الرِّيحُ فَصَارَتْ دَبُوَرًا بَعْدَ مَا كَانَتْ صَبًا [[الدبور: الريح التي تقابل الصَّبا والصَّبا: ريح تهب من مطلع الثريا.]] وَانْتَقَضَتْ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَطُوا فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَ عَلَى غَيْرِ شِعَارٍ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا يَشْعُرُونَ مِنَ الدَّهَشِ، وَنَادَى إِبْلِيسُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْهَزِيمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ يَعْنِي: الرَّسُولَ ﷺ وَخَالَفْتُمُ أمره، ﴿مِنْ بَعْدِمَا أَرَاكُمْ﴾ اللَّهُ ﴿مَا تُحِبُّونَ﴾ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَأَقْبَلُوا عَلَى النَّهْبِ، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قُتِلُوا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ أَيْ: رَدَّكُمْ عَنْهُمْ بِالْهَزِيمَةِ، ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ لِيَمْتَحِنَكُمْ وَقِيلَ: لُيُنْزِلَ الْبَلَاءَ عَلَيْكُمْ ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ يَسْتَأْصِلُكُمْ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾