Tafseer Al-Baghawi
11:70 - 11:71

﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أَيْ: إِلَى الْعِجْلِ، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أَنْكَرَهُمْ، ﴿وَأَوْجَسَ﴾ أَضْمَرَ، ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ خَوْفًا. قَالَ مُقَاتِلٌ: وَقَعَ فِي قَلْبِهِ، وَأَصْلُ الْوُجُوسِ: الدُّخُولُ، كَانَ الْخَوْفُ دَخَلَ قَلْبَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِمْ ظَنُّوا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا جَاءَ بَشَرٍّ.

﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ يَا إِبْرَاهِيمُ [إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ. يَعْنِي:] [[زيادة من "ب".]] ، ﴿إِنَّا﴾ مَلَائِكَةُ اللَّهِ ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ .

﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ سَارَةُ بِنْتُ هَارَانَ بِنِ أَحْوَرَ [[في "ب": (مأخوذ) .]] وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ.

﴿قَائِمَةٌ﴾ مِنْ وَرَاءِ السَّتْرِ تَسْمَعُ كَلَامَهُمْ. وَقِيلَ: كَانَتْ قَائِمَةً تَخْدِمُ الرُّسُلَ، وَإِبْرَاهِيمُ جَالِسٌ مَعَهُمْ.

﴿فَضَحِكَتْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: ضَحِكَتْ أَيْ: حَاضَتْ فِي الْوَقْتِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: ضَحِكَتِ الْأَرْنَبُ، أَيْ: حَاضَتْ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ضَحِكِهَا، قِيلَ: ضَحِكَتْ لِزَوَالِ الْخَوْفِ عَنْهَا وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ حِينَ قَالُوا: لَا تَخَفْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا قَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ الطَّعَامَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَأْكُلُوا خَافَ إِبْرَاهِيمُ وَظَنَّهُمْ لُصُوصًا فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَأْكُلُونَ؟ قَالُوا: إِنَّا لَا نَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا بِثَمَنٍ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَإِنَّ لَهُ ثَمَنًا، قَالُوا وَمَا ثَمَنُهُ؟ قَالَ تَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَتَحْمَدُونَهُ عَلَى آخِرِهِ، فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إِلَى مِيكَائِيلَ وَقَالَ: حُقَّ لِهَذَا أَنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا. فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ وَسَارَّةُ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ضَحِكَتْ سَارَّةُ، وَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِأَضْيَافِنَا إِنَّا نَخْدِمُهُمْ بِأَنْفُسِنَا تَكْرِمَةً لَهُمْ وَهُمْ لَا يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ضَحِكَتْ مِنْ غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وَقُرْبِ الْعَذَابِ مِنْهُمْ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: ضَحِكَتْ مِنْ خَوْفِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ثَلَاثَةٍ [فِي بَيْتِهِ] [[ساقط من "ب".]] وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ.

وَقَالَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِالْبِشَارَةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبٌ: ضَحِكَتْ تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ عَلَى كِبَرِ سِنِّهَا وَسِنِّ زَوْجِهَا.

وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْآيَةُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، فَضَحِكَتْ، وَقَالَتْ: يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ؟.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ﴾ أَيْ: مِنْ بَعْدِ إِسْحَاقَ، ﴿يَعْقُوبَ﴾ أَرَادَ بِهِ وَالِدَ الْوَلَدِ فَبُشِّرَتْ أَنَّهَا تعيش حتى ١٧٦/ب تَرَى وَلَدَ وَلَدِهَا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِنَصْبِ الْبَاءِ، أَيْ: مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: وَوَهَبْنَا لَهُ [مِنْ وَرَاءُ] [[ساقط من "ب".]] يَعْقُوبَ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الصِّفَةِ. وَقِيلَ: وَمِنْ بَعْدِ إِسْحَاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا بُشِّرَتْ بِالْوَلَدِ ضَحِكَتْ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا، أَيْ: ضَرَبَتْ وَجْهَهَا تَعَجُّبًا.