Tafseer Al-Baghawi
14:8 - 14:9

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أَيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، حَمِيدٌ: مَحْمُودٌ فِي أَفْعَالِهِ، لِأَنَّهُ فِيهَا مُتَفَضِّلٌ وَعَادِلٌ.

﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ﴾ خَبَرُ الَّذِينَ، ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ يَعْنِي: مَنْ كَانَ بَعْدَ قَوْمِ نوح وعاد ١٩٢/ب وَثَمُودَ.

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ [[أخرجه الطبري: ١٦ / ٥٢٩ و٥٣٠، وزاد السيوطي نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: ٥ / ٩.]] .

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ عَدْنَانَ ثَلَاثُونَ قَرْنًا لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى [[وروي عن ابن عباس أنه قال: "كان بين زمن موسى وبين زمن نوح قرون ثلاثون لا يعلمهم إلا الله". وحكى عنه المهدوي أنه قال: "كان بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون"، وقال ابن عطية بعد أن ساق هاتين الروايتين في المحرر الوجيز: ٨ / ٢٠٦: "وهذا الوقوف على عدتهم بعيد، ونفي العلم بها جملة أصح، وهو لفظ القرآن". ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: (٢ / ٣٤٨) عن ابن الأنباري، في تفسير الآية، قال: أي: لا يحصي عددهم إلا هو، على أن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم، فليس يعلمهم أحد إلا الله. وانظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٣٤٤، ٣٤٥.]] .

وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَكْرَهُ أَنْ يَنْسِبَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ أَبًا إِلَى آدَمَ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أُولَئِكَ الْآبَاءَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بِالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ، ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَضُّوا عَلَى أَيْدِيهِمْ غَيْظًا [[أخرجه عبد الرزاق، والفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وصححه الحاكم في المستدرك، قال الهيثمي: "رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد وهو ضعيف" انظر: الدر المنثور: ٥ / ١٠، زاد المسير: ٤ / ٣٤٨، مجمع الزوائد: ٧ / ٤٣.]] كَمَا قَالَ ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا سَمِعُوا كِتَابَ اللَّهِ عَجِبُوا وَرَجَعُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ [[انظر: زاد المسير: ٤ / ٣٤٩، البحر المحيط: ٥ / ٤٠٨.]] .

قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: كَذَّبُوا الرُّسُلَ وردوا ما جاؤوا بِهِ [[انظر: الدر المنثور: ٥ / ١٠، وقد عزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولأبي عبيد وابن المنذر عن مجاهد.]] يُقَالُ: رَدَدْتُ قَوْلَ فُلَانٍ فِي فِيهِ أَيْ كَذَّبْتُهُ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي أَنَّ الْأُمَمَ رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: وَضَعُوا الْأَيْدِيَ عَلَى الْأَفْوَاهِ إِشَارَةً إِلَى الرُّسُلِ أَنِ اسْكُتُوا.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِ الرُّسُلِ يُسْكِتُونَهُمْ بِذَلِكَ [[انظر: البحر المحيط: ٥ / ٤٠٨. وقال الطبري في التفسير: (١٦ / ٥٣٥) : "وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية: القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود: أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها، غيظا على الرسل، كما وصف الله جل وعز به إخوانهم من المنافقين، فقال: (وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) [آل عمران: ١١٩] ، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من "رد اليد إلى الفم".]] .

وَقِيلَ: الْأَيْدِي بِمَعْنَى النِّعَمِ. مَعْنَاهُ: رَدُّوا مَا لَوْ قَبِلُوا كَانَتْ أَيَادِيَ وَنِعَمًا فِي أَفْوَاهِهِمْ، أَيْ: بِأَفْوَاهِهِمْ، يَعْنِي بِأَلْسِنَتِهِمْ.

﴿وَقَالُوا﴾ يَعْنِي الْأُمَمَ لِلرُّسُلِ، ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مُوجِبٍ لِلرِّيبَةِ مُوقِعٍ لِلتُّهْمَةِ.