Tafseer Al-Baghawi
15:1 - 15:2

سُورَةِ الْحِجْرِ

مَكِّيَّةٌ [[مكية بالاتفاق، وهو مروي عن ابن عباس وابن الزبير. انظر: الدر المنثور: ٥ / ٦١.]]

* *

﴿الر﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَا اللَّهُ أَرَى [[انظر فيما سبق: ١ / ٥٨-٥٩.]] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: هَذِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ، ﴿وَقُرْآنٍ﴾ أَيْ: وَآيَاتُ قُرْآنٍ ﴿مُبِينٍ﴾ أَيْ: بَيَّنَ [[في "ب" يبين.]] الْحَلَالَ مِنَ الْحَرَامِ وَالْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ الْكِتَابَ ثُمَّ قَالَ ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ وَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ؟

قُلْنَا: قَدْ قِيلَ كُلُّ وَاحِدٍ يُفِيدُ فَائِدَةً أُخْرَى، فَإِنَّ الْكِتَابَ: مَا يُكْتَبُ، وَالْقُرْآنُ: مَا يُجْمَعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَبِالْقُرْآنِ هَذَا الْكِتَابُ.

﴿رُبَمَا﴾ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَالْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَرُبَّ لِلتَّقْلِيلِ وَكَمْ لِلتَّكْثِيرِ، وَرُبَّ تَدْخُلُ عَلَى الِاسْمِ، وَرُبَمَا عَلَى الْفِعْلِ، يُقَالُ: رُبَّ رَجُلٍ جَاءَنِي، وَرُبَمَا جَاءَنِي رَجُلٌ، وَأَدْخَلَ مَا هَاهُنَا لِلْفِعْلِ بَعْدَهَا.

﴿يَوَدُّ﴾ يَتَمَنَّى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .

وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَالِ الَّتِي يَتَمَنَّى الْكَافِرُ فِيهَا الْإِسْلَامَ.

قَالَ الضَّحَّاكُ: حَالَةُ الْمُعَايَنَةِ [[وفيه نظر، إذ لا يقين للكافر حينئذ بحال المسلمين. انظر: المحرر الوجيز: ٨ / ٢٧٩.]] .

وَقِيلَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ.

وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ [[في "ب" وهو المشهور، أنه.]] حِينَ يُخْرِجُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، وَمَعَهُمْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، قَالَ الْكَفَّارُ لِمَنْ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ: أَلَسْتُمْ مُسْلِمِينَ؟ قَالُوا بَلَى، قَالُوا: فَمَا أَغْنَى عَنْكُمْ إِسْلَامُكُمْ وَأَنْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟ قَالُوا: كَانَتْ لَنَا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنَا بِهَا، فَيَغْضَبُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ [بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ] [[ساقط من "ب".]] فَيَأْمُرُ بِكُلِّ مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي النَّارِ فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا، فَحِينَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [[أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير: ١٤ / ٢ (طبع الحلبي) وابن أبي عاصم في "السنة" ١ / ٤٠٥-٤٠٦، والحاكم في "المستدرك: ٢ / ٤٤٢، وقال: صحيح ولم يخرجاه. قال الهيثمي في "المجمع" (٧ / ٤٥) "رواه الطبراني، وفيه خالد بن نافع الأشعري، قال أبو داود: متروك. قال الذهبي: هذا تجاوز في الحد، فقد حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره - وبقية رجاله ثقات". وعزاه في "كنز العمال" (١٤ / ٥٤١) أيضا لابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث والنشور" وانظر: تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٤٧. وصححه الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة" ١ / ٤٠٦.]] .

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ "رُبَمَا" وَهِيَ لِلتَّقْلِيلِ وَهَذَا التمني يكثر من الْكُفَّارُ؟

قُلْنَا: قَدْ تُذْكَرُ "رُبَمَا" لِلتَّكْثِيرِ، أَوْ أَرَادَ: أَنَّ شُغْلَهُمْ بِالْعَذَابِ لَا يُفَرِّغُهُمْ لِلنَّدَامَةِ إِنَّمَا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِبَالِهِمْ أَحْيَانًا.