Tafseer Al-Baghawi
15:89 - 15:91

﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَجَازُهُ: أُنْذِرُكُمْ عَذَابًا كَعَذَابِ الْمُقْتَسِمِينَ. حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.

﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جزَّؤوه فَجَعَلُوهُ أَعْضَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَسَّمُوا كِتَابَهُمْ فَفَرَّقُوهُ وَبَدَّلُوهُ [[في "أ" بدَّدوه.]] .

وَقِيلَ: "الْمُقْتَسِمُونَ" قَوْمٌ اقْتَسَمُوا الْقُرْآنَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَذِبٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.

وَقِيلَ: الِاقْتِسَامُ هُوَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا الْقَوْلَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَاحِرٌ كَاهِنٌ شَاعِرٌ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَانُوا سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُوا عِقَابَ [[عقاب: جمع عقبة، والعقبة هي المرقى الصعب من الجبال.]] مَكَّةَ وَطُرُقَهَا، وَقَعَدُوا عَلَى أَنْقَابِهَا يَقُولُونَ لِمَنْ جَاءَ مِنَ الْحُجَّاجِ: لَا تَغْتَرُّوا بِهَذَا الرَّجُلِ الْخَارِجِ الَّذِي يَدَّعِي النُّبُوَّةَ مِنَّا. وَتَقُولُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وَطَائِفَةٌ: إِنَّهُ كَاهِنٌ، وَطَائِفَةٌ: إِنَّهُ شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَمًا فَإِذَا سُئِلَ عَنْهُ قَالَ: صَدَقَ [[في "ب" سل.]] أُولَئِكَ [يَعْنِي] [[ساقط من "ب".]] الْمُقْتَسِمِينَ [[انظر هذه الأقوال وتخريجها في الطبري: ١٤ / ٦١-٦٤، الدر المنثور: ٥ / ٩٨، زاد المسير: ٤ / ٤١٧-٤١٨، فتح الباري: ٨ / ٣٨٢.]] .

وَقَوْلُهُ: ﴿عِضِينَ﴾ قِيلَ: هُوَ جَمْعُ عُضْوٍ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَضَيْتُ الشَّيْءَ تَعْضِيَةً، إِذَا فَرَّقْتُهُ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِهَانَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.

وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ عِضَةٍ: يُقَالُ: عِضَةٌ وَعِضِينُ مِثْلُ بِرَةٍ وَبِرِينَ وَعِزَةٍ وَعِزِينَ، وَأَصْلُهَا: عِضْهَةٌ ذَهَبَتْ هَاؤُهَا الْأَصْلِيَّةُ، كَمَا نَقَصُوا مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ، بِدَلِيلِ: أَنَّكَ تَقُولُ فِي التَّصْغِيرِ شُفَيْهَةً، وَالْمُرَادُ بِالْعِضَةِ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعِضِينَ الْعِضَهُ، وَهُوَ السِّحْرُ، يُرِيدُ: أَنَّهُمْ سَمَّوُا الْقُرْآنَ سِحْرًا [[انظر: زاد المسير: ٤ / ٤١٨-٤١٩، الطبري: ٤ / ٦٤-٦٦.]] .