Tafseer Al-Baghawi
15:94 - 15:95

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَظْهِرْهُ. وَيُرْوَى عَنْهُ: أَمْضِهِ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَعْلِمْ.

وَقَالَ الْأَخْفَشُ: افْرُقْ، أَيِ: افْرُقْ بِالْقُرْآنِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.

وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: اقْضِ بِمَا تُؤْمَرُ، وَأَصْلُ الصَّدْعِ: الْفَصْلُ، وَالْفَرْقُ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: كَانَ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَخَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ [[انظر: زاد المسير: ٤ / ٤٢٠.]] .

﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ [[انظر فيما سبق التعليق (٦) في تفسير سورة الحجر، الآية (٣) ص (٣٦٨) .]] .

﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: فَاصْدَعْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا تَخَفْ أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ مَنْ عَادَاكَ كَمَا كَفَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ -وَكَانَ رَأْسَهُمْ -وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ زَمْعَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَعَا عَلَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعْمِ بَصَرَهُ وَاثْكِلْهُ بِوَلَدِهِ، وَالْأُسُودُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الطُّلَاطِلَةِ، فَأَتَى جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَالْمُسْتَهْزِئُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ جِبْرِيلُ وَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ تَجِدُ هَذَا؟ فَقَالَ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ: قَدْ كُفِيتَهُ، وَأَوْمَأَ إِلَى سَاقِ الْوَلِيدِ، فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ نَبَّالٍ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ يَمَانٍ، وَهُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَتَعَلَّقَتْ شَظْيَةٌ مِنْ نَبْلٍ بِإِزَارِهِ فَمَنَعَهُ الْكِبَرُ أَنْ "يُطَاطِئَ رَأَسَهُ" [[في "ب" يطامن.]] فَيَنْزِعَهَا، وَجَعَلَتْ تَضْرِبُ سَاقَهُ، فَخَدَشَتْهُ، فَمَرِضَ مِنْهَا فَمَاتَ.

وَمَرَّ بِهِ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَقَالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ إِلَى أَخْمَصِ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ كُفِيتَهُ، فَخَرَجَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ يَتَنَزَّهُ فَنَزَلَ شِعْبًا مِنْ تِلْكَ الشِّعَابِ فَوَطِئَ عَلَى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَتْ مِنْهَا شَوْكَةٌ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ، فَقَالَ: لُدِغْتُ لُدِغْتُ، فَطَلَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، وَانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتَّى صَارَتْ مِثْلَ عُنُقِ الْبَعِيرِ، فَمَاتَ مَكَانَهُ.

وَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ سُوءٍ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ كُفِيتَهُ، فَعَمِيَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَمَاهُ جِبْرِيلُ بِوَرَقَةٍ خَضْرَاءَ فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَوَجِعَتْ عَيْنَاهُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِرَأْسِهِ الْجِدَارَ حَتَّى هَلَكَ.

وَفِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ: أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ فَجَعَلَ يَنْطَحُ رَأْسَهُ بِالشَّجَرَةِ وَيَضْرِبُ وَجْهَهُ بِالشَّوْكِ، فَاسْتَغَاثَ بِغُلَامِهِ، فَقَالَ غُلَامُهُ: لَا أَرَى أَحَدًا يَصْنَعُ بِكَ شَيْئًا غَيْرَ نَفْسِكَ، حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ يَقُولُ قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ.

وَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ خَالِي. فَقَالَ: قَدْ كُفِيتَهُ، وَأَشَارَ إِلَى بَطْنِهِ فَاسْتَسْقَى [بَطْنَهُ] [[ساقط من "أ".]] فَمَاتَ حِينًا.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْكَلْبِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ فَأَصَابَهُ السَّمُومُ فَاسْوَدَّ حَتَّى عَادَ حَبَشِيًّا، فَأَتَى أَهْلَهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وَأَغْلَقُوا دُونَهُ الْبَابَ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ يَقُولُ: قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ.

وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ جِبْرِيلُ: كَيْفَ تَجِدُ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؛ فَقَالَ: عَبْدُ سُوءٍ فَأَوْمَأَ إِلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: قَدْ كُفِيتَهُ فَامْتَخَطَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَكَلَ حُوتًا مَالِحًا فَأَصَابَهُ الْعَطَشُ فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى انْقَدَّ بَطْنُهُ فَمَاتَ [[انظر: تفسير الطبري: ١٤ / ٦٩-٧٢، زاد المسير: ٤ / ٤٢١-٤٢٣، الدر المنثور: ٥ / ١٠٠-١٠٢، المحرر الوجيز: ٣٥٩-٣٦١، البحر المحيط: ٥ / ٤٦٩-٤٧٠، سيرة ابن هشام: ١ / ٤٠٨-٤٠٩.]] فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بِكَ وَبِالْقُرْآنِ.

﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾