Tafseer Al-Baghawi
17:32 - 17:33

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وَحَقُّهَا مَا رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيُقْتَلُ بِهَا" [[أخرجه أبو داود في الديات باب الإمام يأمر بالعفو في الدم: ٦ / ٣٠١، عن أبي أمامة والترمذي في الفتن باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ٣ / ٣٧٣، وقال: حديث حسن وابن ماجه في الحدود باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث برقم (٢٥٣٣) : ٢ / ٨٤٧، والمصنف في شرح السنة: ١٠ / ١٤٨. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود نحوه.]] .

﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ أَيْ: قُوَّةً وَوِلَايَةً عَلَى الْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَالَ الضَّحَاكُ: سُلْطَانُهُ هُوَ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فَإِنْ شَاءَ اسْتَقَادَ مِنْهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا.

﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " فَلَا تُسْرِفْ " بِالتَّاءِ يُخَاطِبُ وَلِيَ الْقَتِيلِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالْيَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَيْ: لَا يُسْرِفُ الْوَلِيُّ فِي الْقَتْلِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْإِسْرَافِ الَّذِي مُنِعَ مِنْهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهُ لَا يَقْتُلُ غَيْرَ الْقَاتِلِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ قَتِيلٌ لَا يَرْضَوْنَ بِقَتْلِ قَاتِلِهِ حَتَّى يَقْتُلُوا أَشْرَفَ مِنْهُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا كَانَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا فَلَا يَقْتُلْ جَمَاعَةً بَدَلَ وَاحِدٍ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ شَرِيفًا لَا يَرْضَوْنَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ [وَحْدَهُ] [[زيادة من "ب".]] حَتَّى يَقْتُلُوا مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَقْرِبَائِهِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لَا يُمَثِّلُ بِالْقَاتِلِ [[وهذه الأوجه في تأويل الآية غير خارجة عن الصواب وكلها تندرج في معنى الآية وفي النهي عن الإسراف في القتل. والله أعلم.]] .

﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَقْتُولِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ يَعْنِي: إِنَّ الْمَقْتُولَ مَنْصُورٌ فِي الدُّنْيَا بِإِيجَابِ الْقَوَدِ عَلَى قَاتِلِهِ وَفِي الْآخِرَةِ بِتَكْفِيرِ خَطَايَاهُ وَإِيجَابِ النَّارِ لِقَاتِلِهِ هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَنْصُورٌ عَلَى الْقَاتِلِ بِاسْتِيفَاءِ الْقَصَاصِ مِنْهُ أَوِ الدِّيَةِ.

وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَاتِلَ الْمُعْتَدِيَ يَقُولُ: لَا يَتَعَدَّى بِالْقَتْلِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ مَنْصُورٌ مِنْ قِبَلِي عَلَيْهِ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْهُ.