Tafseer Al-Baghawi
20:97 - 20:97

﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾ أَيْ: مَا دُمْتَ حَيًّا، ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ أَيْ: لَا تُخَالِطْ أَحَدًا، وَلَا يُخَالِطْكَ أَحَدٌ، وَأَمَرَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ لَا يُخَالِطُوهُ، وَلَا يَقْرَبُوهُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا مِسَاسَ لَكَ وَلِوَلَدِكَ، وَ"الْمِسَاسُ" مِنَ الْمُمَاسَّةِ، مَعْنَاهُ: لَا يَمَسُّ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَصَارَ السَّامِرِيُّ يَهِيمُ فِي الْبَرِّيَّةِ مَعَ الْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ، لَا يَمَسُّ أَحَدًا وَلَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ، عَاقَبَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَ أَحَدًا يَقُولُ: "لَا مِسَاسَ"، أَيْ: لَا تَقْرَبْنِي وَلَا تَمَسَّنِي.

وَقِيلَ: كَانَ إِذَا مَسَّ أَحَدًا أَوْ مَسَّهُ أَحَدٌ حُمَّا جَمِيعًا حَتَّى أَنَّ بَقَايَاهُمُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَإِذَا مَسَّ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حُمَّا جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ [[انظر: القرطبي: ١١ / ٢٤١، زاد المسير: ٥ / ٣١٩.]] .

﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ يَا سَامِرِيُّ، ﴿مَوْعِدًا﴾ لِعَذَابِكَ، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ لَنْ تَغِيبَ عَنْهُ، وَلَا مَذْهَبَ لَكَ عَنْهُ، بَلْ تُوَافِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ لَنْ تُكَذِّبَهُ وَلَنْ يُخْلِفَكَ اللَّهُ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَافِئُكَ عَلَى فِعْلِكَ وَلَا تَفُوتُهُ [[ذكره الطبري: القولين: ١٦ / ٢٠٦ - ٢٠٧ وقال: والقول عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، لأنه لا شك أن الله موف وعده لخلقه يحشرهم لموقف الحساب، وأن الخلق موافون ذلك اليوم، فلا الله مخلفهم ذلك، ولا هم مخلفوه بالتخلف عنه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.]] .

﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ بِزَعْمِكَ، ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أَيْ ظَلْتَ وَدُمْتَ عَلَيْهِ مُقِيمًا تَعْبُدُهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ظَلْتُ أَفْعَلُ كَذَا بِمَعْنَى ظَلَلْتُ، وَمِسْتُ بِمَعْنَى مَسَسْتُ.

﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بِالنَّارِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِحْرَاقِ، ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ لَنَذْرِيَنَّهُ، ﴿فِي الْيَمِّ﴾ فِي الْبَحْرِ، ﴿نَسْفًا﴾ رُوِيَ أَنَّ مُوسَى أَخْذَ الْعِجْلَ فَذَبَحَهُ فَسَالَ مِنْهُ دَمٌ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ صَارَ لَحْمًا وَدَمًا [[انظر: الدر المنثور ٥ / ٥٩٧، القرطبي: ١١ / ٢٤٢ - ٢٤٣.]] ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ، ثُمَّ ذَرَاهُ فِي الْيَمِّ، قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَنَحْرُقَنَّهُ" بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الرَّاءِ لَنَبْرُدَنَّهُ بِالْمِبْرَدِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمِبْرَدِ الْمُحْرِقُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَخَذَ مُوسَى الْعِجْلَ فَذَبَحَهُ ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالْمِبْرَدِ، ثُمَّ ذَرَاهُ فِي الْيَمِّ.