Tafseer Al-Baghawi
33:12 - 33:14

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَصْحَابُهُ، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ وَضَعْفُ اعْتِقَادٍ: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ النِّفَاقِ: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ فَتْحَ قُصُورِ الشَّامِ وَفَارِسَ وَأَحَدُنَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَاوِزَ رَحْلَهُ، هَذَا وَاللَّهِ الْغُرُورُ.

﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَأَصْحَابُهُ، ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يَعْنِي الْمَدِينَةَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: "يَثْرِبُ": اسْمُ أَرْضٍ، وَمَدِينَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا.

وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُسَمَّى الْمَدِينَةُ يَثْرِبَ، وَقَالَ: "هِيَ طَابَةُ"، كَأَنَّهُ كَرِهَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ [[روى مسلم في الجهاد: ٢ / ١٠٠٧ من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: "إن الله طابة"، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص (١٠٤) عن شعبة عن سماك بلفظ: " كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي صلى الله علبيه وسلم طيبة" وأخرجه أبو هوانه. وانظر: فتح الباري: ٤ / ٨٨-٨٩.]] .

﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ قَرَأَ الْعَامَّةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، أي: لا مكانه لَكُمْ تَنْزِلُونَ وَتُقِيمُونَ فِيهِ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَحَفْصٌ: بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ: لَا إِقَامَةَ لَكُمْ، ﴿فَارْجِعُوا﴾ ؛ إِلَى مَنَازِلِكُمْ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقِيلَ: عَنِ الْقِتَالِ إِلَى مَسَاكِنِكُمْ.

﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ، ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أَيْ: خَالِيَةٌ ضَائِعَةٌ، وَهُوَ مِمَّا يَلِي الْعَدُوَّ نَخْشَى عَلَيْهَا السُّرَّاقَ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ "عَوِرَةٌ" بِكَسْرِ الْوَاوِ، أَيْ: قَصِيرَةَ الْجُدْرَانِ يَسْهُلُ دُخُولُ السُّرَّاقِ عَلَيْهَا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أَيْ: مَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْفِرَارَ.

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ: لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمُ الْمَدِينَةَ، يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْجُيُوشَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ قِتَالَهُمْ، وَهُمُ الْأَحْزَابُ، ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا جَمْعُ قُطْرٍ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ أَيْ: الشِّرْكَ.

﴿لَآتَوْهَا﴾ لَأَعْطَوْهَا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ لَأَتَوْهَا مَقْصُورًا، أَيْ: لَجَاؤُوهَا وَفَعَلُوهَا وَرَجَعُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾ أَيْ: مَا احْتَبَسُوا عَنِ الْفِتْنَةِ، ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ وَلَأَسْرَعُوا الْإِجَابَةَ إِلَى الشِّرْكِ طَيِّبَةً بِهِ أَنْفُسُهُمْ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْفَرَّاءُ: وَمَا أَقَامُوا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ إِعْطَاءِ الْكُفْرِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَهْلَكُوا [[ذكره الفراء في معاني القرآن: ٢ / ٣٣٧.]] .