Tafseer Al-Baghawi
43:36 - 43:37

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أَيْ يُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ فَلَمْ يَخَفْ عِقَابَهُ، وَلَمْ يَرْجُ ثَوَابَهُ، يُقَالُ: عَشَوْتُ إِلَى النَّارِ أَعُشْو عَشْوًا، إِذَا قَصَدْتُهَا مُهْتَدِيًا بِهَا، وَعَشَوْتُ عَنْهَا: أَعْرَضْتُ عَنْهَا، كَمَا يَقُولُ: عَدَلْتُ إِلَى فُلَانٍ، وَعَدَلْتُ عَنْهُ، وَمِلْتُ إِلَيْهِ، وَمِلْتُ عَنْهُ. قَالَ الْقُرَظِيُّ [[في المخطوطتين "القرطبي" والصحيح "القرظي" كما ذكره القرطبي: ١٦ / ٩٠.]] : يُوَلِّي ظَهْرَهُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ الْقُرْآنُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: يَظْلِمُ بِصَرْفِ بَصَرِهِ عَنْهُ. قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: أَصْلُ الْعَشْوِ النَّظَرُ بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَمَنْ يَعْشَ" بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ يَعْمَ، يُقَالُ عَشَى يَعْشَى عَشًا إِذَا عَمِيَ فَهُوَ أَعْشَى، وَامْرَأَةٌ عَشْوَاءُ.

﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ: "يُقَيِّضْ" بِالْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ، نُسَبِّبُ لَهُ شَيْطَانًا وَنَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَنُسَلِّطُهُ عَلَيْهِ.

﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ لَا يُفَارِقُهُ، يُزَيِّنُ لَهُ الْعَمَى وَيُخَيِّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى الْهُدَى.

﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يَعْنِي الشَّيَاطِينَ، ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أَيْ لَيَمْنَعُونَهُمْ عَنِ الْهُدَى وَجَمَعَ الْكِنَايَةَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: "وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا" فِي مَذْهَبٍ جَمْعٌ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَلَى الْوَاحِدِ، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وَيَحْسَبُ كُفَّارُ بَنِي آدَمَ أَنَّهُمْ عَلَى الْهُدَى.