Tafseer Al-Baghawi
43:42 - 43:45

﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

﴿وَإِنَّهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿لَذِكْرٌ لَكَ﴾ لَشَرَفٌ لَكَ، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾ مِنْ قُرَيْشٍ، نَظِيرُهُ: "لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ" [الأنبياء: ١٠] ، أَيْ شَرَفِكُمْ، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عَنْ حَقِّهِ وَأَدَاءِ شُكْرِهِ، رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سُئِلَ لِمَنْ هَذَا الْأَمْرُ بَعْدَكَ؟ لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا سُئِلَ لِمَنْ هَذَا؟ قَالَ: لِقُرَيْشٍ. [[انظر: الدر المنثور: ٧ / ٣٨٠.]]

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ اثْنَانِ". [[أخرجه البخاري في المناقب، باب: مناقب قريش: ٦ / ٥٣٣، ومسلم في الإمارة، باب: الناس تبع لقريش والخلافة في قريش برقم: (١٨٢٠) : ٣ / ١٤٥٢، والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٦٠.]]

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ". [[قطعة من حديث أخرجه البخاري في المناقب باب مناقب قريش: ٦ / ٥٣٣.]]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْقَوْمُ هُمُ الْعَرَبُ، فَالْقُرْآنُ لَهُمْ شَرَفٌ إِذْ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، ثُمَّ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الشَّرَفِ الْأَخَصَّ فَالْأَخَصَّ مِنَ الْعَرَبِ، حَتَّى يَكُونَ [الْأَكْثَرُ لِقُرَيْشٍ وَلِبَنِي هَاشِمٍ.

وَقِيلَ: "ذِكْرُ ذَلِكَ": شَرَفٌ لَكَ بِمَا أَعْطَاكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، "وَلِقَوْمِكَ" الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُدَاهُمُ] [[ساقط من "أ".]] اللَّهُ به، "وسوف تسئلون" عَنِ الْقُرْآنِ وَعَمَّا يَلْزَمُكُمْ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِينَ:

قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ آدَمَ وَوَلَدَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَأَذَّنَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أَقَامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ تَقَدَّمْ فَصَلِّ بِهِمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ "مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا"، الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا أَسْأَلُ فَقَدِ اكْتَفَيْتُ"، وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: جَمَعَ اللَّهُ لَهُ الْمُرْسَلِينَ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ وأمره أن يسئلهم فَلَمْ يَشُكَّ وَلَمْ يَسْأَلْ. [[ذكره القرطبي: ١٦ / ٩٤-٩٥ عن ابن عباس وابن زيد. وانظر: الطبري: ٢٥ / ٧٨.]]

وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: سَلْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَرْسَلْتُ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ هَلْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ؟ [[قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ٤ / ١٣٠ "أي جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت إليه ... كقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) ... واختاره ابن جرير.]] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَالْمُقَاتِلِيِّينَ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ الله وأبيّ: "واسئل الَّذِينَ أَرْسَلَنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا"، وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ التَّقْرِيرُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ وَلَا كِتَابٌ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.