Tafseer Al-Baghawi
45:8 - 45:14

﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: مِنَ الْقُرْآنِ، ﴿شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ رَدًّا إِلَى "كُلِّ" فِي قَوْلِهِ: "لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ".

﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ أَمَامَهُمْ، ﴿جَهَنَّمُ﴾ يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا [مُمَتَّعُونَ بِأَمْوَالِهِمْ] [[ما بين القوسين غير موجود في النسختين لكن المعنى يقتضيه وهو في المطبوع.]] وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ النَّارُ يَدْخُلُونَهَا، ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ مِنَ الْأَمْوَالِ، ﴿شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ وَلَا مَا عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿هَذَا﴾ يَعْنِي هَذَا الْقُرْآنَ، ﴿هُدًى﴾ بَيَانٌ مِنَ الضَّلَالَةِ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ .

﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وَمَعْنَى تَسْخِيرِهَا أَنَّهُ خَلَقَهَا لِمَنَافِعِنَا. فَهُوَ مُسَخَّرٌ لَنَا مِنْ حَيْثُ إِنَّا نَنْتَفِعُ بِهِ، ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "جَمِيعًا مِنْهُ"، كُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ وَإِحْسَانٌ.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .

﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أَيْ لَا يَخَافُونَ وَقَائِعَ اللَّهِ وَلَا يُبَالُونَ نِقْمَتَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ شَتْمَهُ بِمَكَّةَ فَهَمَّ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ-أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَمَرُهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ [[انظر: زاد المسير: ٧ / ٣٥٨.]] .

وَقَالَ الْقُرَظِيُّ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَانُوا فِي أَذًى شَدِيدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالْقِتَالِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [[انظر: زاد المسير: ٧ / ٣٥٨ وقد عزاه مع سابقه للبغوي.]] ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ [[انظر فيما سبق ٣ / ٣٢.]] .

﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ لِيَجْزِيَ اللَّهُ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ "لِيُجْزَى" بِضَمِّ الْيَاءِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَهُوَ لَحْنٌ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ لِيَجْزِيَ الْجَزَاءَ قَوْمًا، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .