Welcome to the Tafsir Tool!
This allows users to review and suggest improvements to the existing tafsirs.
If you'd like to contribute to improving this tafsir, simply click the Request Access button below to send a request to the admin. Once approved, you'll be able to start suggesting improvements to this tafsir.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أَيْ مَعَ الشِّدَّةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا مِنْ جهاد المشركين يسرًا وَرَخَاءٌ بِأَنْ يُظْهِرَكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْقَادُوا لِلْحَقِّ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ، "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" كَرَّرَهُ لِتَأْكِيدِ الْوَعْدِ وَتَعْظِيمِ الرَّجَاءِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْشِرُوا، قَدْ جَاءَكُمُ الْيُسْرُ، لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" [[أخرجه الطبري: ٣٠ / ٢٣٥ - ٢٣٦ وهو منقطع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ٥٥٠ أيضا لعبد بن حميد وابن مردويه.]] .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَوْ كَانَ العسر في حجر لَطَلَبَهُ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ، إِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ [[أخرجه عبد الرزاق في التفسير: ٢ / ٣٨٠ - ٣٨١، والطبري: ٣٠ / ٢٣٦، وزاد السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ٥٥٠ - ٥٥١ عزوه للطبراني وابن مردويه.]] .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرَّرَ الْعُسْرَ بِلَفْظِ الْمَعْرِفَةِ وَالْيُسْرَ بِلَفْظِ النَّكِرَةِ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا ذَكَرَتِ اسْمًا مُعَرَّفًا، ثُمَّ أَعَادَتْهُ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَإِذَا ذَكَرَتْ نَكِرَةً ثُمَّ أَعَادَتْهُ مِثْلَهُ صَارَ اثْنَيْنِ، وَإِذَا أَعَادَتْهُ مَعْرِفَةً فَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، كَقَوْلِكَ: إِذَا كَسَبْتُ، دِرْهَمًا أَنْفَقْتُ، دِرْهَمًا، فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَإِذَا قُلْتَ: إِذَا كَسَبْتُ دِرْهَمًا فَأُنْفِقُ الدِّرْهَمَ، فَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ، فَالْعُسْرُ فِي الْآيَةِ مُكَرَّرٌ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ، فَكَانَ عُسْرًا وَاحِدًا، وَالْيُسْرُ مُكَرَّرٌ بِلَفْظِ [التَّنْكِيرِ] [[في "ب" النكرة.]] ، فَكَانَا يُسْرَيْنِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ [الْحَسَنُ] [[في "أ" الحسين والصحيح ما أثبت.]] بْنُ يَحْيَى بْنِ نَصْرٍ الْجُرْجَانِيُّ صَاحِبُ "النَّظْمِ" [[أي "نظم القرآن" ويقع في مجلدين. انظر: ترجمة أبي علي الحسن بن يحيى في "تاريخ جرجان" للسهمي ص (١٨٧ - ١٨٨) .]] تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ غَيْرُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعُسْرَ مَعْرِفَةٌ وَالْيُسْرَ نَكِرَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عُسْرٌ وَاحِدٌ وَيُسْرَانِ، وَهَذَا قَوْلٌ مَدْخُولٌ، إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: إِنْ مَعَ الْفَارِسِ سَيْفًا [إِنَّ مَعَ الْفَارِسِ سَيْفًا] [[ما بين القوسين ساقط من "ب".]] ، فَهَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يكون الفارس واحدً وَالسَّيْفُ اثْنَيْنِ، فَمَجَازُ قَوْلِهِ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيَّهُ ﷺ وَهُوَ مُقِلٌّ مُخِفٌّ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَيِّرُهُ بِذَلِكَ، حَتَّى قَالُوا: إِنْ كَانَ بِكَ طَلَبُ الْغِنَى جَمَعْنَا لَكَ مَالًا حَتَّى تَكُونَ كَأَيْسَرِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَاغْتَّمَ النَّبِيُّ لِذَلِكَ، فَظَنَّ أَنَّ قَوْمَهُ إِنَّمَا يُكَذِّبُونَهُ لِفَقْرِهِ، فَعَدَّدَ اللَّهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَوَعَدَهُ الْغِنَى، لِيُسَلِّيَهُ بِذَلِكَ عَمَّا خَامَرَهُ مِنَ الْغَمِّ، فَقَالَ: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، مَجَازُهُ: لَا يَحْزُنْكَ مَا يَقُولُونَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فِي الدُّنْيَا عَاجِلًا ثُمَّ أَنْجَزَهُ مَا وَعَدَهْ، وَفَتَحَ عَلَيْهِ الْقُرَى الْعَرَبِيَّةَ وَوَسَّعَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَدِهِ، حَتَّى كَانَ يُعْطِي الْمِئِينَ مِنَ الْإِبِلِ، وَيَهَبُ الْهِبَاتِ السَّنِيَّةَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَضْلًا آخَرَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، فَقَالَ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ابْتِدَائِهِ: تَعَرِّيهِ مِنَ الْفَاءِ وَالْوَاوِ، وَهَذَا وَعْدٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَجَازُهُ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، أَيْ: إِنْ مَعَ الْعُسْرِ فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِ يُسْرًا فِي الْآخِرَةِ، فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ الْيُسْرَانِ يُسْرُ الدُّنْيَا وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَيُسْرُ الْآخِرَةِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" أَيْ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرُ، الدُّنْيَا الْيُسْرَ الَّذِي وَعَدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْيُسْرَ الَّذِي وَعَدَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَغْلِبُ أَحَدُهُمَا، هُوَ يُسْرُ الدُّنْيَا، وَأَمَّا يُسْرُ الْآخِرَةِ فَدَائِمٌ غَيْرُ زَائِلٍ، أَيْ لَا يَجْمَعُهُمَا فِي الْغَلَبَةِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ" [[أخرجه البخاري في الصوم: شهرا عيد لا ينقصان: ٤ / ١٢٤، ومسلم في الصيام، بيان معنى قوله ﷺ شهرا عيد لا ينقصان برقم: (١٠٨٩) : ٢ / ٧٦٦.]] أَيْ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النُّقْصَانِ.