Tafsir al-Tabari
6:43 - 6:43

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا من الكلام الذي فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عن ذكر ما تُرك. وذلك أنه تعالى ذكره أخبرَ عن الأمم التي كذّبت رسلها أنه أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا له، [[في المطبوعة حذف"له" وهي في المخطوطة: "به"، وهذا صواب قراءتها.]] ثم قال:"فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا"، ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم بالبأساء والضراء. ومعنى الكلام:"ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون"، فلم يتضرعوا،"فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا".

ومعنى:"فلولا"، في هذا الموضع، فهلا. [[انظر تفسير"لولا" فيما سلف ص: ٣٤٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] والعرب إذ أوْلَتْ"لولا" اسمًا مرفوعًا، جعلت ما بعدها خبرًا، وتلقتها بالأمر، [[في المطبوعة: "وتلتها"، غير ما في المخطوطة وأفسد الكلام.]] فقالت:"فلولا أخوك لزرتك" و"لولا أبوك لضربتك"، وإذا أوْلتها فعلا أو لم تُولها اسمًا، جعلوها استفهامًا فقالوا:"لولا جئتنا فنكرمك"، و"لولا زرت أخاك فنزورك"، بمعنى:"هلا"، كما قال تعالى ذكره: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [سورة المنافقون: ١٠] . وكذلك تفعل ب"لوما" مثل فعلها ب"لولا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٣٤، ٣٣٥.]]

* *

فتأويل الكلام إذًا: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها، الذين لم يتضرعوا عند أخذِناهم بالبأساء والضراء ="تضرعوا"، فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه.

* *

وقد بينا معنى"البأس" في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"البأس" فيما سلف ٣: ٣٥٤، ٣٥٥/٨: ٥٨٠.]]

* *

="ولكن قست قلوبهم"، يقول: ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلهم، وأصرُّوا على ذلك، واستكبروا عن أمر ربهم، استهانةً بعقاب الله، واستخفافًا بعذابه، وقساوةَ قلب منهم. [[انظر تفسير"قسا" فيما سلف ٢: ٢٣٣ - ٢٣٧/١٠: ١٢٦، ١٢٧.]] "وزين لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون"، يقول: وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم.