Tafsir al-Tabari
6:140 - 6:140

القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قد هلك هؤلاء المفترون على ربهم الكذبَ، [[انظر تفسير ((الخسار)) فيما سلف ١١: ٣٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] العادلون به الأوثانَ والأصنام، الذين زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم، وتحريم [ما أنعمت به] عليهم من أموالهم، [[في المخطوطة والمطبوعة: ((وتحريم ما حرمت عليهم من أموالهم)) ، وهو لا يطابق تفسير الآية بل يناقضه، ورجحت الصواب ما أثبت بين القوسين.]] فقتلوا طاعة لها أولادهم، وحرّموا ما أحل الله لهم وجعله لهم رزقًا من أنعامهم ="سفها"، منهم. يقول: فعلوا ما فعلوا من ذلكَ جهالة منهم بما لهم وعليهم، ونقصَ عقول، وضعفَ أحلام منهم، وقلة فهم بعاجل ضرّه وآجل مكروهه، من عظيم عقاب الله عليه لهم [[انظر تفسير ((السفه)) فيما سلف ١: ٢٩٣ - ٢٩٥ / ٣: ٩٠، ١٢٩ / ٦: ٥٧]] = ﴿افتراء على الله﴾ ، يقول: تكذّبًا على الله وتخرصًا عليه الباطل [[انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف: ص: ١٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. وكان في المطبوعة: ((تكذيبًا)) ، والصواب ما في المخطوطة.]] = ﴿قد ضلوا﴾ ، يقول: قد تركوا محجة الحق في فعلهم ذلك، وزالوا عن سواء السبيل [[انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة ((ضلل))]] = ﴿وما كانوا مهتدين﴾ ، يقول: ولم يكن فاعلو ذلك على هدًى واستقامة في أفعالهم التي كانوا يفعلون قبل ذلك، ولا كانوا مهتدين للصواب فيها، ولا موفقين له. [[انظر تفسير ((الاهتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدي) .]]

* *

ونزلت هذه الآية في الذين ذكر الله خبرهم في هذه الآيات من قوله: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا﴾ الذين كانوا يبحرون البحائر، ويسيِّبون السوائب، ويئدون البنات، كما:-

١٣٩٥٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة، قوله: ﴿الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم﴾ ، قال: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومُضَر، كان الرجل يشترط على امرأته أن تستحيي جارية وتئد أخرى. فإذا كانت الجارية التي تَئِد، غدا الرجل أو راح من عند امرأته، [[في المطبوعة: ((فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل ... )) ، وفي المخطوطة: ((فإذا كانت الجارية التي تئيد عبد الرجل أو راح من عند امرأته)) ، والصواب ما أثبت. معنى ذلك: أنه إذا ولدت المرأة الجارية التي شرط عليها أن تئدها غدا أو راح وقال ...]] وقال لها:"أنت علي كظهر أمِّي إن رجعت إليك ولم تئديها"، فتخُدُّ لها في الأرض خدًّا، [[((خد في الأرض خدا)) : شق في الأرض شقًا.]] وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها، ثم يتداولنها، [[هكذا في المطبوعة: ((ثم يتداولنها)) ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة، وممكن أن تقرأ كما هي في المطبوعة.]] حتى إذا أبصرته راجعًا دستها في حفرتها، ثم سوّت عليها التراب.

١٣٩٥١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم ذكر ما صنعوا في أولادهم وأموالهم فقال: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله﴾ .

١٣٩٥٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم﴾ ، فقال: هذا صنيع أهل الجاهلية.

كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة، ويغذو كلبه = وقوله: ﴿وحرموا ما رزقهم الله﴾ ، الآية، وهم أهل الجاهلية. جعلوا بحيرةً وسائبة ووصيلةً وحاميًا، تحكمًا من الشياطين في أموالهم.

١٣٩٥٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما بعد المائة من سورة الأنعام قوله: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا يغير علم﴾ ، الآية.

* *

وكان أبو رزين يتأوّل قوله: ﴿قد ضلوا﴾ ، أنه معنيٌّ به: قد ضلوا قبل هؤلاء الأفعال = من قتل الأولاد، وتحريم الرزق الذي رزقهم الله = بأمور غير ذلك.

١٣٩٥٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبى رزين في قوله: ﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم﴾ ، إلى قوله: ﴿قد ضلوا﴾ ، قال: قد ضلوا قبل ذلك.