Tafsir al-Tabari
7:38 - 7:38

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قيله لهؤلاء المفترين عليه، المكذبين آياته يوم القيامة. يقول تعالى ذكره: قال لهم حين وردوا عليه يوم القيامة، ادخلوا، أيها المفترون على ربكم، المكذبون رسله، في جماعات من ضُرَبائكم [[انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ص: ٤٠٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿قد خلت من قبلكم﴾ ، يقول: قد سلفت من قبلكم [[انظر تفسير ((خلا)) فيما سلف ٣: ١٠٠، ١٢٨ / ٤: ٢٨٩ / ٧: ٢٢٨.]] ="من الجن والإنس في النار"، ومعنى ذلك: ادخلوا في أمم هي في النار، قد خلت من قبلكم من الجن والإنس = وإنما يعني بـ"الأمم"، الأحزابَ وأهلَ الملل الكافرة = ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ ، يقول جل ثناؤه: كلما دخلت النارَ جماعةٌ من أهل ملة = لعنت أختها، يقول: شتمت الجماعة الأخرى من أهل ملتها، تبرِّيًا منها. [[انظر تفسير ((اللعن)) فيما سلف ١٠: ٤٨٩، تعليق: ١.]]

وإنما عنى بـ"الأخت"، الأخوة في الدين والملة، وقيل:"أختها"، ولم يقل:"أخاها"، لأنه عنى بها"أمة" وجماعة أخرى، كأنه قيل: كلما دخلت أمة لعنت أمة أخرى من أهل ملتها ودينها. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٨.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٩٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ ، يقول: كلما دخل أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((كلما دخلت أهل ملة)) ، والصواب ما أثبت.]] يلعن المشركون المشركين، واليهودُ اليهودَ، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوسُ المجوسَ، تلعن الآخرةُ الأولى.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: حتى إذا تداركت الأمم في النار جميعًا، يعني اجتمعت فيها.

* *

يقال:"قد ادَّاركوا"، و"تداركوا"، إذا اجتمعوا. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٤، وفي نصه زيادة حسنة: ((ويقال: تدارك لي عليه شيء، أي اجتمع لي عنده شيء. وهو مدغم التاء في الدال، فثقلت الدال)) .]]

* *

يقول: اجتمع فيها الأوَّلون من أهل الملل الكافرة والآخِرون منهم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن محاورة الأحزاب من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة. يقول الله تعالى ذكره: فإذا اجتمع أهل الملل الكافرة في النار فادّاركوا، قالت أخرى أهل كل ملة دخلت النار = الذين كانوا في الدنيا بعد أولى منهم تَقَدَّمتها وكانت لها سلفًا وإمامًا في الضلالة والكفر = لأولاها الذين كانوا قبلهم في الدنيا: ربنا هؤلاء أضلونا عن سبيلك، ودعونا إلى عبادة غيرك، وزيَّنوا لنا طاعة الشيطان، فآتهم اليوم من عذابك الضعفَ على عذابنا، كما:-

١٤٥٩٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قالت أخراهم"، الذين كانوا في آخر الزمان ="لأولاهم"، الذين شرعوا لهم ذلك الدين = ﴿ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار﴾

* *

وأما قوله: ﴿قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون﴾ ، فإنه خبر من الله عن جوابه لهم، يقول: قال الله للذين يدعونه فيقولون:"ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار" =: لكلكم، أوَّلكم وآخركم، وتابعوكم ومُتَّبَعوكم ="ضعف"، يقول: مكرر عليه العذاب.

* *

و"ضعف الشيء"، مثله مرة.

* *

وكان مجاهد يقول في ذلك ما:-

١٤٥٩٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿عذابًا ضعفًا من النار قال لكل ضعف﴾ ، مضعّف.

١٤٥٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٩٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال الله: ﴿لكل ضعف﴾ ، للأولى، وللآخرة ضعف.

١٤٥٩٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان قال، حدثني غير واحد، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله: ﴿ضعفًا من النار﴾ ، قال: أفاعي.

١٤٥٩٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله: ﴿فآتهم عذابًا ضعفًا من النار﴾ ، قال: حيّات وأفاعي.

* *

وقيل: إن"المضَعَّف"، في كلام العرب، ما كان ضعفين، [[في المطبوعة: ((الضعف، في كلام العرب)) ، والصواب من المخطوطة.]] و"المضاعف"، ما كان أكثر من ذلك.

* *

وقوله: ﴿ولكن لا تعلمون﴾ ، يقول: ولكنكم، يا معشر أهل النار، لا تعلمون ما قدْرُ ما أعدّ الله لكم من العذاب، فلذلك تسأل الضعفَ منه الأمةُ الكافرةُ الأخرى لأختها الأولى.