Tafsir al-Tabari
7:154 - 7:154

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: "ولما سكت عن موسى الغضب". ولما كفّ عنه وسكن. [[(٢) في المطبوعة: ((ولما كف موسى عن الغضب)) ، وهو اجتهاد من ناشر المطبوعة الأولى، ولم يصب. فإن المخطوطة أسقطت تفسير العبارة، وجاء فيها هكذا: ((ولما سكت عن موسى الغضب، وكذلك كل كاف......)) ، والتفسير الذي أثبته الناشر الأول تفسير ذكره الزجاج قال: ((معناه: ولما سكن. وقيل: معناه: ولما سكت موسى عن الغضب - على القلب، كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأس، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة. قال والقول الأول الذي معناه سكن، هو قول أهل العربية)) . ولو أراد أبو جعفر، لفسره كما فسره الزجاج، فآثرت أن أضع تفسير أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٢٩، لأن الذي يليه هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن.]]

* *

وكذلك كل كافٍّ عن شيء: "ساكت عنه"، وإنما قيل للساكت عن الكلام "ساكت"، لكفه عنه. [[(١) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٩.]]

وقد ذكر عن يونس الجرمي أنه قال [[(٢) انظر ما سلف ص: ١٢٩، تعليق: ٣.]] يقال: "سكت عنه الحزن"، وكلُّ شيء، فيما زعم، ومنه قول أبي النجم:

وَهَمَّتِ الأفْعَى بِأَنْ تَسِيحَا وَسَكَتَ المُكَّاءُ أَنْ يَصِيحَا [[(٣) لم أجد البيتين. وكان في المطبوعة: ((تسبحا)) و ((تضبحا)) ، وهو خطأ وفساد، ولأبي النجم أبيات كثيرة من الرجز على هذا الوزن، ولم أجد الرجز بتمامه. وصواب قراءة ما كان في المخطوطة هو ما أثبت.]]

* *

= "خذ الألواح"، يقول: أخذها بعد ما ألقاها، وقد ذهب منها ما ذهب = "وفي نسختها هدى ورحمة"، يقول: وفيما نسخ فيها، أي كتب فيها [[(٤) انظر تفسير ((النسخة)) فيما سلف ٢: ٤٧٢. = وكان في المطبوعة هنا، مكان قوله: ((أي: كتب فيها)) ، ما نصه: ((أي: منها)) ، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأن الناسخ كتبها بخط دقيق في آخر السطر، فوصل الكلام بعضه ببعض، فساءت كتابته.]] = "هدى" بيان للحق= "ورحمة للذين هم لربهم يرهبون"، يقول: للذين يخافون الله ويخشون عقابَه على معاصيه. [[(٥) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .]]

* *

واختلف أهل العربية في وجه دخول "اللام" في قوله: "لربهم يرهبون"، مع استقباح العرب أن يقال في الكلام: "رهبت لك": بمعنى رهبتك= "وأكرمت لك"، بمعنى أكرمتك. فقال بعضهم: ذلك كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ، [سورة يوسف: ٤٣] ، أوصل الفعل باللام.

* *

وقال بعضهم: من أجل ربِّهم يرهبون.

* *

وقال بعضهم: إنَّما دخلت عَقِيب الإضافة: الذين هم راهبون لربهم، وراهبُو ربِّهم= ثم أدخلت "اللام" على هذا المعنى، لأنها عَقِيب الإضافة، لا على التكليف. [[(١) في المطبوعة: لا على التعليق)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وكأنه يعني بقوله: ((التكليف)) معنى التعليق)) ، لأن ((التكليف)) هو ((التحميل)) ، ولم أجد تفسير هذه الكلمة في مكان آخر، ولعلها من اصطلاح بعض قدماء النحاة.]]

* *

وقال بعضهم: إنما فعل ذلك، لأن الاسم تقدم الفعل، فحسن إدخال "اللام".

* *

وقال آخرون: قد جاء مثله في تأخير الاسم في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [سورة النمل: ٧٢] . [[(٢) انظر ما سلف ٦: ٥١١ / ٧: ١٦٤، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢٣٣.]]

* *

وذكر عن عيسى بن عمر أنه قال: سمعت الفرزدق يقول: "نقدت له مائة درهم"، يريد: نقدته مائة درهم. [[(٣) نقله الفراء في معاني القرآن ١: ٢٣٣ عن الكسائى، قال: ((سمعت بعض العرب يقول: نقدت لها مئة درهم، يريد: نقدتها مئة، لامرأة تزوجها)) .]] قال: والكلام واسع.