Tafsir al-Tabari
8:21 - 8:21

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله ﷺ: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله ﷺ، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا= "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم، [[في المطبوعة: " فجعلهم الله لما لم ينتفعوا "، وأثبت ما في المخطوطة.]] بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله ﷺ: لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها. [[في المخطوطة: " وهم لاستعمالها والاتعاظ بها "، والصواب ما في المطبوعة، وإنما هو إسقاط من الناسخ في كتابته. وكان في المطبوعة: " كمن لم يسمعها "، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:-

١٥٨٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسِرُّون المعصية. [[الأثر: ١٥٨٥٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٥٢.]]

١٥٨٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وهم لا يسمعون﴾ ، قال: عاصون.

١٥٨٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* *

قال أبو جعفر: وللذي قال ابن إسحاق وجه، ولكن قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، في سياق قَصَص المشركين، ويتلوه الخبر عنهم بذمّهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ، فلأن يكون ما بينهما خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم.