Tafsir al-Tabari
9:81 - 9:81

القول في تأويل قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرح الذين خلَّفهم الله عن الغزو مع رسوله والمؤمنين به وجهاد أعدائه = ﴿بمقعدهم خلاف رسول الله﴾ ، يقول: بجلوسهم في منازلهم [[انظر تفسير "القعود" فيما سلف ٩: ٨٥ \ ١٤: ٢٧٧.]] = ﴿خلاف رسول الله﴾ ، يقول: على الخلاف لرسول الله في جلوسه ومقعده. وذلك أن رسول الله ﷺ أمرهم بالنَّفْر إلى جهاد أعداء الله، فخالفوا أمْرَه وجلسوا في منازلهم.

* *

وقوله: ﴿خِلاف﴾ ، مصدر من قول القائل: "خالف فلان فلانًا فهو يخالفه خِلافًا"، فلذلك جاء مصدره على تقدير "فِعال"، كما يقال: "قاتله فهو يقاتله قتالا"، ولو كان مصدرًا من "خَلَفه" لكانت القراءة: "بمقعدهم خَلْفَ رسول الله"، لأن مصدر: "خلفه"، "خلفٌ" لا "خِلاف"، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر: "خالف"، فقرئ: ﴿خلاف رسول الله﴾ ، وهي القراءة التي عليها قرأة الأمصار، وهي الصواب عندنا.

* *

وقد تأول بعضهم ذلك بمعنى: "بعد رسول الله ﷺ"، [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٦٤.]] واستشهد على ذلك بقول الشاعر: [[هو الحارث بن خالد المخزومي.]]

عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَا ... بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا [[الأغاني ٣: ٣٣٦ (دار الكتب) ١٥: ١٢٨ (ساسي) ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٦٤، واللسان (عقب) ، (خلف) ، من قصيدة روى بعضها أبو الفرج في أغانيه، يقوله في عائشة بنت طلحة تعريضًا، وتصريحًا ببسرة جاريتها، يقول قبله: يَا رَبْع بُسرَةَ إن أضَرَّ بِكَ البِلَى ... فَلَقد عَهِدتُكَ آهلا مَعْمورًا

ورواية أبي الفرج " عقب الرذاذ "، و " الرذاذ " صغار المطر. وأما " الربيع "، فهو المطر الذي يكون في الربيع. قال أبو الفرج الأصبهاني: " وقوله: عقب الرذاذ، يقول: جاء الرذاذ بعده. ومنه يقال: عقب لفلان غنى بعد فقر = وعقب الرجل أباه: إذا قام بعده مقامه. وعواقب الأمور، مأخوذة منه، واحدتها عاقبة. . . والشواطب: النساء اللواتي يشطبن لحاء السعف، يعملن منه الحصر. ومنه السيف المشطب، والشطبية: الشعبة من الشيء. ويقال: بعثنا إلى فلان شطبية من خيلنا، أي: قطعة ". قلت: وإنما وصف آثار الغيث في الديار، فشبه أرضها بالحصر المنمقة، للطرائق التي تبقى في الرمل بعد المطر.]] وذلك قريبٌ لمعنى ما قلنا، لأنهم قعدوا بعده على الخلافِ له.

* *

وقوله: ﴿وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ ، يقول تعالى ذكره: وكره هؤلاء المخلفون أن يغزُوا الكفار بأموالهم وأنفسهم [[انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص: ٣٥٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿في سبيل الله﴾ ، يعني: في دين الله الذي شرعه لعباده لينصروه، [[انظر تفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] ميلا إلى الدعة والخفض، وإيثارًا للراحة على التعب والمشقة، وشحًّا بالمال أن ينفقوه في طاعة الله.

* *

= ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر﴾ ، وذلك أن النبي ﷺ استنفرهم إلى هذه الغزوة، وهي غزوة تبوك، في حرّ شديدٍ، [[انظر تفسير " النفر " فيما سلف ٥٨: ٥٣٦ \ ١٤: ٢٥١، ٢٥٤.]] فقال المنافقون بعضهم لبعض: "لا تنفروا في الحر"، فقال الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ لهم، يا محمد = ﴿نار جهنم﴾ ، التي أعدّها الله لمن خالف أمره وعصى رسوله = ﴿أشد حرًّا﴾ ، من هذا الحرّ الذي تتواصون بينكم أن لا تنفروا فيه. يقول: الذي هو أشد حرًا، أحرى أن يُحذر ويُتَّقى من الذي هو أقلهما أذًى = ﴿لو كانوا يفقهون﴾ ، يقول: لو كان هؤلاء المنافقون يفقهون عن الله وعظَه، ويتدبَّرون آي كتابه، [[انظر تفسير "فقه" فيما سلف ص: ٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ولكنهم لا يفقهون عن الله، فهم يحذرون من الحرّ أقله مكروهًا وأخفَّه أذًى، ويواقعون أشدَّه مكروهًا [[في المطبوعة والمخطوطة: " ويوافقون أشده مكروهًا "، وهو خطأ من الناسخ، والصواب ما أثبت.]] وأعظمه على من يصلاه بلاءً.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٣٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله﴾ ، إلى قوله: ﴿يفقهون﴾ ، وذلك أن رسول الله ﷺ أمرَ الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحرُّ شديدٌ، ولا نستطيع الخروجَ، فلا تنفر في الحرّ! فقال الله: ﴿قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون﴾ ، فأمره الله بالخروج.

١٧٠٣٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتاده في قوله: ﴿بمقعدهم خلاف رسول الله﴾ ، قال: هي غزوة تبوك. [[في المطبوعة: "من عزوة تبوك"، والصواب ما في المخطوطة.]]

١٧٠٣٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: خرج رسول الله ﷺ في حرٍّ شديدٍ إلى تبوك، فقال رجل من بني سَلِمة: لا تنفروا في الحرّ! فأنزل الله: ﴿قل نار جهنم﴾ ، الآية.

١٧٠٣٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: [ثم] ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله ﷺ بالجهاد، وأجمع السير إلى تبوك، على شدّة الحرّ وجدب البلاد. يقول الله جل ثناؤه: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرًّا﴾ . [[الأثر: ١٧٠٣٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٦، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٧٠١٢. والزيادة بين القوسين منه.]]