Tafsir al-Tabari
10:2 - 10:2

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أكان عجبًا للناس إيحاؤنا القرآن على رجل منهم بإنذارهم عقابَ الله على معاصيه، كأنهم لم يعلموا أنَّ الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فتعجَّبوا من وحينا إليه. [[انظر تفسير " الوحي " و " الإنذار " فيما سلف من فهارس اللغة (وحي) ، (نذر) .]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد! فأنزل الله تعالى: ﴿أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا﴾ [سورة يوسف: ١٠٩] .

١٧٥٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: عجبت قريش أن بُعث رجل منهم. قال: ومثل ذلك: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [سورة الأعراف: ٦٥] ، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ ، [سورة الأعراف: ٧٣] ، قال الله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ ، [سورة الأعراف: ٦٩] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: أما كان عجبًا للناس أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس، وأن بشر الذين آمنوا بالله ورسوله: ﴿أن لهم قدم صدق﴾ ، عطفٌ على ﴿أنذر﴾ .

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿قدم صدق﴾ ، فقال بعضهم: معناه: أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: ثواب صِدق.

١٧٥٣٠-. . . . قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: الأعمال الصالحة.

١٧٥٣١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، يقول: أجرًا حسنًا بما قدَّموا من أعمالهم.

١٧٥٣٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن حبان، عن إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، عن مجاهد: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: صلاتهم وصومهم، وصدقتُهم، وتسبيحُهم. [[الأثر: ١٧٥٣٢ - " زيد بن حباب التميمي "، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١١٤٩٠. وكان في المطبوعة: " يزيد بن حبان "، لم يحسن قراءة المخطوطة، فتصرف أسوأ التصرف.

و" إبراهيم بن يزيد الخوزي "، ضعيف، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٧٣١٣.

و" الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث "، ثقة، مضى برقم: ١٦٢٥٩، ١٧٣١٣.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: " الوليد بن عبد الله، عن أبي مغيث "، وهو خطأ محض.]]

١٧٥٣٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قدم صدق﴾ ، قال: خير.

١٧٥٣٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قدم صدق﴾ ، مثله.

١٧٥٣٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٧٥٣٦-. . . . قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: ﴿قدم صدق﴾ ، ثواب صدق = ﴿عند ربهم﴾ .

١٧٥٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

١٧٥٣٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق﴾ ، قال: "القدم الصدق"، ثواب الصّدق بما قدّموا من الأعمال.

* *

وقال آخرون: معناه: أن لهم سابق صدق في اللوح المحفوظ من السعادة.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، يقول: سبقت لهم السعادة في الذِّكر الأَوّل.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك أنّ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم شفيع لهم، قَدَمَ صدق.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة = أو الحسن =: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: محمدٌ شفيعٌ لهم. [[الأثر: ١٧٥٤٠ - " فضيل بن عمرو بن الجون "، لم أجد له ترجمة. ولا أدري أهو " فضيل بن عمرو الفقيمي "، أو غيره! .]]

١٧٥٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ : أي سلَفَ صدقٍ عند ربهم.

١٧٥٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ ، قال: محمدٌ ﷺ.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثوابَ.

* *

وذلك أنه محكيٌّ عن العرب: "هؤلاء أهْلُ القَدَم في الإسلام" أي هؤلاء الذين قدَّموا فيه خيرًا، فكان لهم فيه تقديم. ويقال: "له عندي قدم صِدْق، وقدم سوء"، وذلك ما قدَّم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت:

لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَحَلْفُنَا ... لأَوّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ [[مضى البيت وتخريجه فيما سلف ١٣: ٢٠٩، وروايته هناك: " لنا القدم الأولى ".]]

وقول ذي الرمة:

لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أَنَّهَا ... مَعَ الحَسَبِ العَادِيِّ طَمَّتْ عَلَى البَحْرِ [[ديوانه ٢٧٢، من قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، يقول بعده: خِلاَلَ النَّبِيِّ المُصْطَفَى عِنْدَ رَبِّهِ ... وَعُثْمَانَ وَالفَارُوقِ بَعْدَ أَبِي بَكْرِ

ورواية ديوانه: " طمت على الفخر ".]]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وبشر الذين آمنوا أنّ لهم تقدِمة خير من الأعمال الصالحة عند ربِّهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ، بمعنى: إن هذا الذي جئتنا به= يعنون القرآن= لسحر مبين.

* *

وقرأ ذلك مسروق، وسعيد بن جبير، وجماعة من قراء الكوفيين: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ .

* *

وقد بينت فيما مضى من نظائر ذلك: أن كل موصوف بصفةٍ، يدل الموصوف على صفته، وصفته عليه. [[في المطبوعة: " نزل الموصوف "، وفي المخطوطة: " ترك "، وصواب قراءتها ما أثبت.]]

والقارئ مخيَّرٌ في القراءة في ذلك، وذلك نظير هذا الحرف: ﴿قال الكافرون إن هذا لسحر مبين﴾ ، و "لساحر مبين". [[انظر ما سلف ١١: ٢١٦، ٢١٧.]]

وذلك أنهم إنما وصفوه بأنه "ساحر"، ووصفهم ما جاءهم به أنه "سحر" يدل على أنهم قد وصفوه بالسحر. وإذْ كان ذلك كذلك، فسواءٌ بأيِّ ذلك قرأ القارئ، لاتفاق معنى القراءتين.

* *

وفي الكلام محذوف، استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ذكره، وهو: "فلما بشرهم وأنذرهم وتلا عليهم الوحي"= قال الكافرون: إن هذا الذي جاءنا به لسحرٌ مبين.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أكان للناس عجبًا أن أوحينا إلى رجل منهم: أن أنذر الناس، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم؟ فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم، قال المنكرون توحيد الله ورسالة رسوله: إن هذا الذي جاءنا به محمدٌ لسحر مبين أي: يبين لكم عنه أنه مبطِلٌ فيما يدعيه. [[انظر تفسير " السحر " و " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة (سحر) ، (بين) .]]