Tafsir al-Tabari
10:5 - 10:5

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض= ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء﴾ ، بالنهار= ﴿والقمر نورًا﴾ بالليل. ومعنى ذلك: هو الذي أضاء الشمسَ وأنار القمر= ﴿وقدّره منازل﴾ ، يقول: قضاه فسوّاه منازلَ، لا يجاوزها ولا يقصر دُونها، على حالٍ واحدةٍ أبدًا. [[انظر تفسير " التقدير " فيما سلف ١١: ٥٦٠.]]

* *

وقال: ﴿وقدّره منازل﴾ ، فوحّده، وقد ذكر "الشمس" و"القمر"، فإن في ذلك وجهين:

أحدهما: أن تكون "الهاء" في قوله: ﴿وقدره﴾ للقمر خاصة، لأن بالأهلة يُعرف انقضاءُ الشهور والسنين، لا بالشمس.

والآخر: أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ، [سورة التوبة: ٦٢] ، وكما قال الشاعر: [[هو ابن أحمر، أو: الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي.]]

رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ... بَرِيًّا، وَمِنْ جُولِ الطَّوِيِّ رَمَانِي [[معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٨، اللسان (جول) ، وغيرهما. وكانت بينه وبين رجل حكومة في بئر، فقال خصمه: " إنه لص ابن لص "، فقال هذا الشعر، وبعده: دَعَانِي لِصًّا فِي لُصُوصٍ، ومَا دَعَا ... بِهَا وَالِدِي فِيمَا مَضَى رَجُلاَن

ورواية البيت على الصواب: " ومن أجل الطوى "، و " الطوى ": البئر. و " الجول " و " الجال " ناحية من نواحي البئر إلى أعلاها من أسفلها.]]

* *

وقوله: ﴿لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ ، يقول: وقدّر ذلك منازل = ﴿لتعلموا﴾ ، أنتم أيها الناس = ﴿عدد السنين﴾ ، دخول ما يدخل منها، أو انقضاءَ ما يستقبل منها، وحسابها= يقول: وحساب أوقات السنين، وعدد أيامها، وحساب ساعات أيامها= ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ، يقول جل ثناؤه: لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق. يقول الحق تعالى ذكره: خلقت ذلك كله بحقٍّ وحدي، بغير عون ولا شريك= ﴿يفصل الآيات﴾ يقول: يبين الحجج والأدلة [[انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف: ١٤: ١٥٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير "الآية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي)]] = ﴿لقوم يعلمون﴾ ، إذا تدبروها، حقيقةَ وحدانية الله وصحةَ ما يدعوهم إليه محمد ﷺ، من خلع الأنداد، والبراءة من الأوثان.