Tafsir al-Tabari
10:83 - 10:83

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلم يؤمن لموسى ، مع ما أتاهم به من الحجج والأدلّة (إلا ذرية من قومه ) خائفين من فرعون وملئهم.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى الذرية في هذا الموضع.

فقال بعضهم: الذرية في هذا الموضع: القليل.

*ذكر من قال ذلك:

17774- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه) ، قال، كان ابن عباس يقول: " الذرية ": القليل.

17775- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) ، " الذرية "، القليل، كما قال الله تعالى: كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [سورة الأنعام: 133]

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل لطول الزمان، لأن الآباء ماتوا وبقي الأبناء، فقيل لهم " ذرية "، لأنهم كانوا ذرية من هلك ممن أرسل إليهم موسى عليه السلام. (12)

*ذكر من قال ذلك:

17776- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم من طول الزمان ، ومات آباؤهم.

17777- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ،

17778- وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

17779- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه) ، قال: أولاد الذين أرسل إليهم موسى ، من طول الزمان ومات آباؤهم.

17780- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن الأعمش: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) ، قال: أبناء أولئك الذين أرسل إليهم ، فطال عليهم الزمان وماتت آباؤهم.

* * *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون.

*ذكر من قال ذلك:

17781- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) ، قال: كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل ، من قوم فرعون يسير، منهم : امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه.

* * *

وقد روي عن ابن عباس خبرٌ يدل على خلاف هذا القول، وذلك ما:-

17782- حدثني به المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (ذرية من قومه) ، يقول: بني إسرائيل.

* * *

، فهذا الخبر ، ينبئ عن أنه كان يرى أن " الذرية " في هذا الموضع ، (13) هم بنو إسرائيل دون غيرهم من قوم فرعون.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية، القولُ الذي ذكرته عن مجاهد، وهو أن " الذرية " ، في هذا الموضع أريد بها ذُرّية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرُّوا بنبوته لطول الزمان، فأدركت ذريّتهم ، فآمن منهم من ذكر الله ، بموسى.

وإنما قلت : " هذا القولُ أولى بالصواب في ذلك " ، لأنه لم يجر في هذه الآية ذكرٌ لغير موسى، فَلأن تكون " الهاء " ، في قوله : " من قومه " ، من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون ، لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليلٌ ، من خبرٍ ولا نظرٍ.

وبعدُ، فإن في قوله: (على خوف من فرعون وملئهم)، الدليلُ الواضح على أن الهاء في قوله: (إلا ذرية من قومه)، من ذكر موسى، لا من ذكر فرعون، لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام ، " على خوف منه "، ولم يكن (على خوف من فرعون) .

* * *

وأما قوله: (على خوف من فرعون) ، فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرية قوم موسى بموسى ، فتأويل الكلام: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ، من بني إسرائيل ، وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم.

* * *

وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: " فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه "، لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل، وآباؤهم من القبط، فقيل لهم " الذرية " ، من أجل ذلك، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم: " أبناء ". (14) .

والمعروف من معنى " الذرية " في كلام العرب: أنها أعقاب من نسبت إليه من قبل الرجال والنساء، كما قال جل ثناؤه: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ، [سورة الإسراء: 3] ، وكما قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ ثم قال بعد: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ ، [سورة الأنعام: 84، 85] ، فجعل من كان من قبل الرجال والنساء من ذرية إبراهيم.

* * *

وأما قوله: (وملئهم)، فإن " الملأ ": الأشراف. (15) وتأويل الكلام: على خوف من فرعون ومن أشرافهم.

* * *

واختلف أهل العربية فيمن عُني بالهاء والميم اللتين في قوله: (وملئهم) ، فقال بعض نحويي البصرة: عُني بها الذرية. وكأنّه وجَّه الكلام إلى: ( فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون) وملأ الذرِّية من بني إسرائيل.

* * *

وقال بعض نحويي أهل الكوفة: (16)

عني بهما فرعون. قال: وإنما جاز ذلك وفرعون واحد، لأن الملك إذا ذكر بخوفٍ أو سفر أو قدوم من سفر ، (17) ذهب الوهم إليه وإلى من معه. وقال: ألا ترى أنك تقول: " قدم الخليفة فكثر الناس "، تريد ، بمن معه ، " وقدم فغلت الأسعار " ، لأنك تنوي بقدومه قدوم من معه. (18)

* * *

قال: وقد يكون أن تريد أن بـ " فرعون " آل فرعون، وتحذف " الآل " ، (19) فيجوز، كما قال: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ، [سورة يوسف: 82] ، يريد أهل القرية، والله أعلم. قال: ومثله قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ، [سورة الطلاق: 1]. (20)

* * *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: " الهاء والميم " عائدتان على " الذرية ". ووجَّه معنى الكلام إلى أنه : على خوف من فرعون، وملأ الذرية ، لأنه كان في ذرية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيًا وأمه إسرائيلية. فمن كان كذلك منهم، كان مع فرعون على موسى.

* * *

وقوله: (أن يفتنهم) ، يقول: كان إيمان من آمن من ذرية قوم موسى على خوف من فرعون ، " أن يفتنهم " بالعذاب، فيصدّهم عن دينهم، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله. (21)

وقال: (أن يفتنهم) ، فوحَّد ولم يقل: " أن يفتنوهم "، لدليل الخبر عن فرعون بذلك : أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه ، لما قد تقدم من قوله: (على خوف من فرعون وملئهم).

* * *

وقوله: (وإن فرعون لعال في الأرض) ، يقول تعالى ذكره: وإن فرعون لجبّارٌ مستكبر على الله في أرضه ، " وإنه لمن المسرفين "، وإنه لمن المتجاوزين الحقّ إلى الباطل، (22) وذلك كفره بالله وتركه الإيمان به ، وجحودُه وحدانية الله ، وادّعاؤه لنفسه الألوهة ، وسفكه الدماء بغير حِلِّها.

-----------------------

الهوامش :

(12) انظر تفسير " الذرية " فيما سلف 12 : 127 ، 128 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

وانظر تفسير بمعنى " القليل " في معاني القرآن للفراء 1 : 476 .

(13) في المطبوعة : " ينبئ عنه " ، وأثبت ما في المخطوطة .

(14) هو الفراء في معاني القرآن 1 : 476 .

(15) انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص : 155 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(16) في المطبوعة : " نحويي الكوفة " ، وأثبت ما في المخطوطة " .

(17) في المطبوعة : "الخوف" ، والصواب من معاني القرآن للفراء . أما المخطوطة فقد أسقط ناسخها وكتب : "لأن الملك ، وقال : ألا ترى" .

(18) في المطبوعة " : لأنا ننوي بقدومه . . . " ، وفي المخطوطة : " لأنا ننوي بقدومه وقدوم من معه " ، وهو خطأ ، وأثبت ما في معاني القرآن للفراء .

(19) في المطبوعة ، " وبحذف " ، وفي المخطوطة : " فتحذف آل فرعون " ، وهو خطأ ، صوابه من معاني القرآن .

(20) هذا الذي مضى نص مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 476 ، 477 .

(21) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف من فهارس اللغة ( فتن ) .

(22) انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .