Tafsir al-Tabari
11:54 - 11:55

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي (٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره، عن قول قوم هود: أنهم قالوا له، إذ نصح لهم ودعاهم إلى توحيد الله وتصديقه، وخلع الأوثان والبراءة منها: لا نترك عبادة آلهتنا، وما نقول إلا أن الذي حملك على ذمِّها والنهي عن عبادتها، أنه أصابك منها خبَلٌ من جنونٌ. فقال هود لهم: إني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أيضًا أيها القوم، أني بريء مما تشركون في عبادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه = ﴿فكيدوني جميعا﴾ ، يقول: فاحتالوا أنتم جميعًا وآلهتكم في ضري ومكروهي [[انظر تفسير " الكيد " فيما سلف ١٣: ٤٤٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم لا تنظرون﴾ ، يقول: ثم لا تؤخرون ذلك، [[انظر تفسير " الإنظار " فيما سلف ص: ١٥١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] فانظروا هل تنالونني أنتم وهم بما زعمتم أن آلهتكم نالتني به من السوء؟

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: أصابتك الأوثان بجنون.

١٨٢٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: أصابك الأوثان بجنون.

١٨٢٦٩- حدثني المثني قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا سفيان، عن عيسى، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: سببتَ آلهتنا وعبتها، فأجنَّتك.

١٨٢٧٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن نجيح، عن مجاهد: ﴿اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، أصابك بعض آلهتنا بسوء، يعنون الأوثان.

١٨٢٧١-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ قال: أصابك الأوثان بجنون.

١٨٢٧٢- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: تصيبك آلهتنا بالجنون.

١٨٢٧٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: ما يحملك على ذمّ آلهتنا، إلا أنه أصابك منها سوء.

١٨٢٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، قال: إنما تصنع هذا بآلهتنا أنها أصابتك بسوء.

١٨٢٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: أصابتك آلهتنا بشر.

١٨٢٧٦- حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، يقولون: نخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نحب أن تعتريك، يقولون: يصيبك منها سوء.

١٨٢٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ ، يقولون: اختلَط عقلك فأصابك هذا مما صنعت بك آلهتنا.

* *

وقوله: ﴿اعتراك﴾ ، ا"فتعل"، من "عراني الشيء يعروني":، إذا أصابك، كما قال الشاعر: [[هو أبو خراش الهذلي.]]

مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ اجْتِرَاءٌ وَمَأْثَمُ [[ديوان الهذليين ٢: ١٤٧، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٠، من قصيدته التي ذكر فيها فراره من فائد وأصحابه الخزاعيين، وكان لهم وتر عنده. فلما لقوه فر وعدا، فذكر ذلك في شعره، ثم انتهى إلى ذكر رجل كان يتبعه وهو يعدو فقال: أُوائِلُ بالشَّدِّ الذَّلِيقِ، وَحَثَّنِي ... لَدَى المَتْنِ مَشْبُوحُ الذِّرَاعَينِ خَلْجَمُ

تَذَكَّر ذَخْلاً عِنْدَنَا، وهو فاتِكٌ ... مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ اجْتِرَاءٌ وَمَأْثَمُ

يقول: " أوائل بالشد "، أطلب النجاة بالعدو السريع، و" الذليق "، الحديد السريع الشديد، و" حثني لدى المتن "، يحثني على عدوى، رجل من ورائي، كأنه من قربه قد ركب متني، " مشبوح الذراعين "، من صفة هذا الرجل أنه عريض الذراعين، " خلجم "، طويل شديد. و" تذكر ذحلا "، أي ثأرًا، فكان تذكره للثأر أحفز له على طلب أبي خراش. ثم قال: إنه فاتك من فتاكهم، لا يرهب، ويدفعه على ذلك " اجتراء "، أي جرأة لا تكفها المخافة، و" مأثم "، أي طلب الأثام، وهو المجازاة والعقوبة على إثمي الذي سلف إليهم. و" المأثم " و"الأثام "واحد.

وكان في المطبوعة: " اجترام "، وفي المخطوطة: " اجترامًا "، وهما خطأ، صوابه ما أثبت من ديوانه.]]