Tafsir al-Tabari
12:61 - 12:62

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف ليوسف إذ قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ : ﴿قالوا سنراود عنه أباه﴾ ، ونسأله أن يخليّه معنا حتى نجيء به إليك [[انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص: ١٣٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وإنا لفاعلون﴾ يعنون بذلك: وإنا لفاعلون ما قلنا لك إنا نفعله من مراودة أبينا عن أخينا منه ولنجتهدنَّ كما:-

١٩٤٦٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإنا لفاعلون﴾ ، لنجتهدنّ.

* *

وقوله: ﴿وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ ، يقول تعالى ذكره: وقال يوسف="لفتيانه"، وهم غلمانه، [[انظر تفسير" الفتى" فيما سلف ص: ٩٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-

١٩٤٧٠- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وقال لفتيانه﴾ ، أي: لغلمانه.

* *

﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ ، يقول: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذتموها منهم [[انظر تفسير" البضاعة" فيما سلف ص ٤ - ٧]] ="في رحالهم".

= و"الرحال"، جمع"رَحْل"، وذلك جمع الكثير، فأما القليل من الجمع منه فهو:"أرْحُل"، وذلك جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة.

* *

وبنحو الذي قلنا في معنى"البضاعة"، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٤٧١- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ : أي: أوراقهم [[" الأوراق" جمع" ورق" (بفتح فكسر) ، و" ورق" (بفتحتين) ، وهو الفضة، أو المال كله ما كان.]]

١٩٤٧٢- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون.

١٩٤٧٣- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: وقال لفتيته وهو يكيل لهم:"اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون" إليّ.

* *

فإن قال قائل: ولأيّةِ علة أمر يوسف فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟

قيل: يحتمل ذلك أوجهًا:

أحدها: أن يكون خَشي أن لا يكون عند أبيه دراهم، إذ كانت السَّنة سنة جَدْب وقَحْط، فيُضِرُّ أخذ ذلك منهم به، وأحبّ أن يرجع إليه.

= أو: أرادَ أن يتسع بها أبوه وإخوته، مع [قلّة] حاجتهم إليه، [[في المخطوطة:" وأراد"، والصواب" أو" كما في المطبوعة. والذي بين القوسين ليس في المخطوطة أيضًا، فزدته استظهارًا، لحاجة المعنى إليه.]] فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون سبب ردّه، تكرمًا وتفضُّلا.

والثالث: وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخلفوه الوعد في الرجوع، إذا وجدوا في رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملَكهُ عليهم غيرهم، عوضًا من طعامه، [[في المطبوعة:" عوضًا من طعامهم"، وإنما فعل ذلك لأن معنى الكلام خفي عليه.

وهو كلام بلا شك خفي المعنى، ومعناه: أن هذا الثمن قد ملكه غيرهم، وغلبهم على ملكه من أعطاهم هذا الطعام عوضًا عن الثمن.]] ويتحرّجوا من إمساكهم ثمن طعام قد قبضوه حتى يؤدُّوه على صاحبه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى العود إليه.