Tafsir al-Tabari
14:3 - 14:3

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة﴾ ، الذين يختارون الحياة الدنيا ومتاعها ومعاصي الله فيها، على طاعة الله وما يقرِّبهم إلى رضاه من الأعمال النافعة في الآخرة [[انظر تفسير " الاستحباب " فيما سلف ١٤: ١٧٥.]] = ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، يقول: ويمنعون من أراد الإيمان بالله واتّباعَ رسوله على ما جاء به من عند الله، من الإيمان به واتباعه [[انظر تفسير " الصد " فيما سلف: ٤٦٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة.]] = ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يقول: ويلتمسون سَبِيل الله = وهي دينه الذي ابتعث به رسوله = ﴿عوجًا﴾ : تحريفًا وتبديلا بالكذب والزّور. [[انظر تفسير " الابتغاء " فيما سلف ١٥: ٢٨٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير " العوج " فيما سلف ١٥: ٢٨٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

"والعِوَج" بكسر العين وفتح الواو، في الدين والأرض وكل ما لم يكن قائمًا، فأما في كلِّ ما كان قائمًا، كالحائط والرمح والسنّ، فإنه يقال بفتح العين والواو جميعًا "عَوَج". [[انظر بيانًا آخر عن " العوج " فيما سلف ١٢: ٤٤٨، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٥، وفيه خطأ بين هناك.]]

* *

يقول الله عز ذكره: ﴿أولئك في ضلال بعيد﴾ يعني هؤلاء الكافرين الذين يستحبُّون الحياة الدنيا على الآخرة. يقول: هم في ذهابٍ عن الحق بعيد، وأخذ على غير هُدًى، وجَوْر عن قَصْد السبيل. [[انظر تفسير " الضلال " فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول "على" في قوله: ﴿على الآخرة﴾ ، فكان بعض نحويى البَصْرة يقول: أوصل الفعل بـ"على" كما قيل: " ضربوه في السيف"، يريد بالسيف، [[انظر ما سيأتي: ٥٣٤، تعليق: ١.]] وذلك أن هذه الحروف يُوصل بها كلها وتحذَف، نحو قول العرب: "نزلتُ زيدًا"، و"مررت زيدًا"، يريدون: مررت به، ونزلت عليه.

* *

وقال بعضهم: إنما أدخل ذلك، لأن الفعل يؤدِّي عن معناه من الأفعال، [[قوله: " يؤدي عن معناه من الأفعال "، أي يتضمن معنى فعل غيره.]] ففي قوله: ﴿يستحبون الحياة الدنيا﴾ معناه يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، ولذلك أدخلت "على".

وقد بيَّنت هذا ونظائره في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن الإعادة. [[انظر " مباحث النحو والعربية وغيرها "، فيما سلف من أجزاء هذا الكتاب.]]