Tafsir al-Tabari
14:12 - 14:14

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبًرا عن قِيل الرسل لأممها: ﴿وما لنا أن لا نتوكل على الله﴾ ، فنثق به وبكفايته ودفاعه إياكم عنَّا = ﴿وقد هدانا سُبُلنا﴾ ، يقول: وقد بَصَّرنا طريقَ النجاة من عذابه، فبين لنا [[انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .

= وتفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا﴾ ، في الله وعلى ما نلقى منكم من المكروه فيه بسبب دُعائنا لكم إلى ما ندعوكم إليه، [[انظر تفسير " الأذى " فيما سلف ١٤: ٣٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] من البراءة من الأوثان والأصنام، وإخلاص العبادة له = ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ ، يقول: وعلى الله فليتوكل من كان به واثقًا من خلقه، فأما من كان به كافرًا فإنّ وليَّه الشيطان.

* *

القول في تأويل قوله عز ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم، حين دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وفراق عبادة الآلهة والأوثان= ﴿لنخرجنَّكم من أرضنا﴾ ، يعنون: من بلادنا فنطردكم عنها = ﴿أو لتعودن في مِلّتنا﴾ ، يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. [[انظر تفسير " الملة " فيما سلف: ١٠١، تعليق: ١، والمراجع هناك، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٦.]]

* *

وأدخلت في قوله: ﴿لتعودُنَّ﴾ "لام"، وهو في معنى شرطٍ، كأنه جواب لليَمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجَنكم من أرضنا، أو تعودون في ملتنا. [[في المطبوعة: " أو تعودن "، والصواب من المخطوطة.]]

* *

ومعنى "أو" ههنا معنى "إلا" أو معنى "حتى" كما يقال في الكلام:" لأضربنك أوْ تُقِرَّ لي"، فمن العرب من يجعل ما بعد "أو" في مثل هذا الموضع عطفًا على ما قبله، إن كان ما قبله جزمًا جزموه، وإن كان نصبًا نصبوه، وإن كان فيه "لام" جعلوا فيه "لاما"، [[في المطبوعة: " إن كان فيه لامًا "،، خطأ، صوابه في المخطوطة.]] إذ كانت "أو" حرف نَسق. ومنهم من ينصب "ما" بعد "أو"بكل حالٍ، ليُعْلَم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس:

بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بِقَيْصَرَا ... فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا [[ديوانه: ٦٥ من قصيدته الغالية التي قالها في مسيرة إلى قيصر مستنصرًا به بعد قتل أبيه. وصاحبه الذي ذكره، هو عمرو بن قميئة اليشكري الذي استصحبه إلى قيصر، و " الدرب ". ما بين طرسوس وبلاد الروم.]]

فنصب "نموت فنعذرا" وقد رفع "نحاول"، لأنه أراد معنى: إلا أن نموتَ،أو حتى نموتَ، ومنه قول الآخر: [[هو الأحوص بن محمد الأنصاري، وينسب أحيانًا للمجنون.]]

لا أَسْتَطِيعُ نزوعًا عَنْ مَوَدَّتِهَا ... أَوْ يَصْنَعَ الْحُبُّ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا [[الأغاني ٤: ٢٩٩، وديوان المجنون: ٢٠٠، وخرج أبيات الأحوص، ولدنا الأستاذ عادل سليمان، فيما جمعه من شعر لأحوص، ولم يطبع بعد.]]

وقوله: ﴿فأوحَى إليهم ربُّهم لنُهلكنَّ الظالمين﴾ ، الذين ظلموا أنفسهم، [[انظر تفسير: " أوحى " فيما سلف ٦: ٤٠٥/٩: ٣٩٩ / ١١: ٢١٧، ٢٩٠، ٣٧١، ٥٣٣.]] فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم. وقد يجوز أن يكون قيل لهم: "الظالمون" لعبادتهم من لا تجوز عبادته من الأوثان والآلهة، [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف ١: ٥٢٣، ٥٢٤ / ٢: ٣٦٩، ٥١٩ / ٤: ٥٨٤ / ٥: ٣٨٤، وغيرها في فهارس اللغة.]] فيكون بوضعهم العبادةَ في غير موضعها، إذ كان ظلمًا، سُمُّوا بذلك. [[في المطبوعة كتب: " سموا بذلك ظالمين "، زاد ما لا محصل له، إذ لم يألف عبارة أبي جعفر، فأظلمت عليه.]]

* *

وقوله: ﴿ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ ، هذا وعدٌ من الله مَنْ وَعد من أنبيائه النصرَ على الكَفَرة به من قومه. يقول: لما تمادتْ أمم الرسل في الكفر، وتوعَّدوا رسُلهم بالوقوع بهم، أوحى الله إليهم بإهلاك من كَفَر بهم من أممهم ووعدهم النصر. وكلُّ ذلك كان من الله وعيدًا وتهدُّدا لمشركي قوم نبيِّنا محمد ﷺ على كفرهم به، [[في المطبوعة: " وعيدًا وتهديدًا "، أساء إذ غير لفظ أبي جعفر.]] وجُرْأتهم على نبيه، وتثبيتًا لمحمد ﷺ، وأمرًا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه، كما صبر من كان قبله من أولي العزم من رسله = ومُعرِّفَة أن عاقبة أمرِ من كفر به الهلاكُ، وعاقبتَه النصرُ عليهم، سُنَّةُ الله في الذين خَلَوْا من قبل.

* *

٢٠٦١١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولنسكننكم الأرضَ من بعدهم﴾ ، قال: وعدهم النصرَ في الدنيا، والجنَّةَ في الآخرة.

* *

وقوله: ﴿ذلك لمن خَافَ مَقامي وخاف وَعِيدِ﴾ ، يقول جل ثناؤه: هكذا فِعْلي لمن خاف مَقامَه بين يديّ، وخاف وعيدي فاتَّقاني بطاعته، وتجنَّب سُخطي، أنصُرْه على ما أراد به سُوءًا وبَغَاه مكروهًا من أعدائي، أهلك عدوّه وأخْزيه، وأورثه أرضَه وديارَه.

* *

وقال: ﴿لمن خاف مَقَامي﴾ ، ومعناه ما قلت من أنه لمن خاف مَقَامه بين يديَّ بحيث أقيمه هُنالك للحساب، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٣٧.]] كما قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٨٢] ، معناه: وتجعلون رِزقي إياكم أنّكُم تكذبون. وذلك أن العرب تُضيف أفعالها إلى أنفسها، وإلى ما أوقعت عليه، فتقول: "قد سُرِرتُ برؤيتك، وبرؤيتي إياك"، فكذلك ذلك.