Tafseer Al Qurtubi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafseer Al Qurtubi tafsir for Surah Al-'Ankabut — Ayah 23

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ (فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) عَلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَفَاوُتِ هَيْئَاتِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَطَبَائِعِهِمْ، وَانْظُرُوا إِلَى مَسَاكِنِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَدِيَارِهِمْ وَآثَارَهُمْ كَيْفَ أَهْلَكَهُمْ، لِتَعْلَمُوا بِذَلِكَ كَمَالَ قُدْرَةِ اللَّهِ.

(ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ "النَّشَاءَةَ" بِفَتْحِ الشِّينِ وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الرَّأْفَةِ وَالرَّآفَةِ وَشَبَهَهُ. الْجَوْهَرِيُّ: أَنْشَأَهُ اللَّهُ خَلَقَهُ، وَالِاسْمُ النَّشْأَةُ وَالنَّشَاءَةُ بِالْمَدِّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ.

(إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) أَيْ بِعَدْلِهِ.

(وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ) أَيْ بِفَضْلِهِ.

(وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) تُرْجَعُونَ وَتُرَدُّونَ.

(وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ وَلَا مَنْ فِي السَّمَاءِ بِمُعْجِزِينَ اللَّهَ. وَهُوَ غَامِضٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، لِلضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِي الثَّانِي. وَهُوَ كَقَوْلِ حَسَّانَ:

فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ

أَرَادَ وَمَنْ يَمْدَحُهُ وينصره سواء، فأضمر من، وقاله عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: "وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ" أَيْ مَنْ لَهُ. وَالْمَعْنَى إِنَّ اللَّهَ لَا يُعْجِزُهُ أَهْلُ الْأَرْضِ فِي الْأَرْضِ وَلَا أَهْلُ السَّمَاءِ إِنْ عَصَوْهُ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: وَلَا فِي السَّمَاءِ لَوْ كُنْتُمْ فِيهَا، كَمَا تَقُولُ: لَا يَفُوتُنِي فُلَانٌ بِالْبَصْرَةِ وَلَا هَاهُنَا، بِمَعْنَى لَا يَفُوتُنِي بِالْبَصْرَةِ لَوْ صَارَ إِلَيْهَا. وَقِيلَ: لَا يَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: وَالْمَعْنَى وَلَا مَنْ فِي السَّمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً وَلَكِنْ تَكُونُ نَكِرَةً وَ "فِي السَّماءِ" صِفَةٌ لَهَا، فَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مقام الموصوف. ورد ذلك على ابن سُلَيْمَانَ. وَقَالَ: لَا يَجُوزُ. وَقَالَ: إِنَّ مَنْ إِذَا كَانَتْ نَكِرَةً فَلَا بُدَّ مِنْ وَصْفِهَا فَصِفَتُهَا كَالصِّلَةِ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْمَوْصُولِ وَتَرْكُ الصِّلَةِ، قَالَ: وَالْمَعْنَى إِنَّ النَّاسَ خُوطِبُوا بِمَا يَعْقِلُونَ، وَالْمَعْنَى لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّمَاءِ مَا أَعْجَزْتُمُ اللَّهَ، كَمَا قَالَ: "وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ".

(وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) وَيَجُوزُ "نَصِيرٌ" بِالرَّفْعِ على الموضع، وتكون "مِنْ" زائد.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ) أَيْ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِمَا نَصَبَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالْأَعْلَامِ.

(أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ وَنَسَبَ الْيَأْسَ إِلَيْهِمْ وَالْمَعْنَى أُويِسُوا. وَهَذِهِ الْآيَاتُ اعْتِرَاضٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَذْكِيرًا وَتَحْذِيرًا لِأَهْلِ مَكَّةَ. ثُمَّ عَادَ الْخِطَابُ إِلَى قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيقِهِ (فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ) أَيْ مِنْ إِذَايَتِهَا (إِنَّ فِي ذلِكَ) أَيْ فِي إِنْجَائِهِ مِنَ النَّارِ الْعَظِيمَةِ حَتَّى لَمْ تُحْرِقْهُ بَعْدَ مَا أُلْقِيَ فِيهَا (لَآياتٍ). وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "جَوابَ" بِنَصْبِ الْبَاءِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَ "أَنْ قالُوا" فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ اسْمُ كَانَ. وَقَرَأَ سالم الأفطس وعمرو ابن دِينَارٍ: "جَوَابُ" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ "كانَ" وَ "إِنَّ" فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ نَصْبًا.

(وَقالَ) إِبْرَاهِيمُ (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وَقَرَأَ حَفْصٌ وَحَمْزَةُ: "مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ". وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ: "مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ". وَالْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشِ "مَوَدَّةٌ بَيْنَكُمْ". الْبَاقُونَ "مَوَدَّةُ بَيْنَكُمْ" فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنُ كَثِيرٍ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، ذَكَرَ الزَّجَّاجُ مِنْهَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّ الْمَوَدَّةَ ارْتَفَعَتْ عَلَى خَبَرِ إِنَّ وَتَكُونُ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي. وَالتَّقْدِيرُ إِنَّ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ أَيْ وَهِيَ مَوَدَّةٌ أَوْ تِلْكَ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ. وَالْمَعْنَى آلِهَتُكُمْ أَوْ جَمَاعَتُكُمْ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "أَوْثاناً" وَقْفٌ حَسَنٌ لِمَنْ رَفَعَ الْمَوَدَّةَ بِإِضْمَارِ ذَلِكَ مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ، وَمَنْ رَفَعَ الْمَوَدَّةَ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ إِنَّ لَمْ يَقِفْ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ أَنْ يَكُونَ "مَوَدَّةُ" رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ وَ "فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" خَبَرُهُ، فَأَمَّا إِضَافَةُ "مَوَدَّةَ" إِلَى "بَيْنِكُمْ" فَإِنَّهُ جَعَلَ "بَيْنِكُمْ" اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وَالنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ جَعَلَهُ مَفْعُولًا عَلَى السَّعَةِ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: يَا سَارِقَ اللَّيْلَةَ أَهْلَ الدَّارِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ وَهُوَ ظَرْفٌ، لَعِلَّةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا. وَمَنْ رَفَعَ "مَوَدَّةٌ" وَنَوَّنَهَا فَعَلَى مَعْنَى مَا ذُكِرَ، وَ "بَيْنِكُمْ" بِالنَّصْبِ ظَرْفًا. وَمَنْ نَصَبَ "مَوَدَّةَ" وَلَمْ يُنَوِّنْهَا جَعَلَهَا مَفْعُولَةً بِوُقُوعِ الِاتِّخَاذِ عَلَيْهَا وَجَعَلَ "إِنَّمَا" حَرْفًا وَاحِدًا وَلَمْ يَجْعَلْهَا بِمَعْنَى الَّذِي. وَيَجُوزُ نَصْبُ الْمَوَدَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ كَمَا تَقُولُ

: جِئْتُكَ ابْتِغَاءَ الْخَيْرِ، وَقَصَدْتُ فُلَانًا مَوَدَّةً لَهُ "بَيْنِكُمْ" بِالْخَفْضِ. وَمَنْ نَوَّنَ "مَوَدَّةً" وَنَصَبَهَا فَعَلَى مَا ذُكِرَ "بَيْنَكُمْ" بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَمَنْ قَرَأَ "مَوَدَّةً بَيْنَكُمْ" وَ "مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ" لَمْ يَقِفْ عَلَى الْأَوْثَانِ، وَوَقَفَ عَلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَمَعْنَى الْآيَةِ جَعَلْتُمُ الْأَوْثَانَ تَتَحَابُّونَ عَلَيْهَا وَعَلَى عِبَادَتِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) تَتَبَرَّأُ الْأَوْثَانُ مِنْ عُبَّادِهَا وَالرُّؤَسَاءُ مِنَ السَّفَلَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ".

(وَمَأْواكُمُ النَّارُ) هُوَ خِطَابٌ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الرُّؤَسَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَتْبَاعِ. وَقِيلَ: تَدْخُلُ فِيهِ الْأَوْثَانُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ".