قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: كَالْجِبَالِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَالسَّحَابِ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ- جَمْعُ ظُلَّةٍ، شُبِّهَ الْمَوْجُ بِهَا لِكِبَرِهَا وَارْتِفَاعِهَا. قَالَ النَّابِغَةُ فِي وَصْفِ بَحْرٍ:
يُمَاشِيهِنَّ أَخْضَرُ ذُو ظِلَالٍ ... عَلَى حَافَّاتِهِ فِلَقُ الدِّنَانِ
وَإِنَّمَا شُبِّهَ الْمَوْجُ وَهُوَ وَاحِدٌ بِالظِّلِّ وَهُوَ جمع، لان الموج يأتي شيئا بعد شي وَيَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَالظُّلَلِ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْمَعْ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالِازْدِحَامِ، وَمِنْهُ: مَاجَ الْبَحْرُ، وَالنَّاسُ يَمُوجُونَ. قَالَ كَعْبٌ:
فَجِئْنَا إِلَى مَوْجٍ مِنَ الْبَحْرِ وَسْطَهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنَّعٌ
وَقَرَأَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: "مَوْجٌ كَالظِّلَالِ" جَمْعُ ظِلٍّ.
(دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) مُوَحِّدِينَ لَهُ لَا يَدْعُونَ لِخَلَاصِهِمْ سِوَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ [[راجع ج ٨ ص ٣٢٥.]].
(فَلَمَّا نَجَّاهُمْ) يَعْنِي مِنَ الْبَحْرِ.
(إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُوفٍ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فِي الْبَحْرِ. النَّقَّاشُ: يَعْنِي عَدَلَ فِي الْعَهْدِ، وَفَى فِي الْبَرِّ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: "مُقْتَصِدٌ" مُؤْمِنٌ مُتَمَسِّكٌ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "مُقْتَصِدٌ" فِي الْقَوْلِ مُضْمِرٌ لِلْكُفْرِ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالْمَعْنَى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ. وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ الْخَتَّارُ: الْغَدَّارُ. وَالْخَتْرُ: أسوأ الغدر. قال عمرو بن معد يكرب:
فَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْرٍ ... مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرٍ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
بِالْأَبْلَقِ الْفَرْدِ مِنْ تَيْمَاءَ مَنْزِلُهُ ... حِصْنٌ حَصِينٌ وَجَارٌ غَيْرُ ختار
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخَتْرُ الْغَدْرُ، يُقَالُ: خَتَرَهُ فَهُوَ خَتَّارٌ. الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِنَّهُ الْجَاحِدُ. وَيُقَالُ: خَتَرَ يَخْتُرُ وَيَخْتِرُ (بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ) خَتْرًا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ. وَجَحْدُ الْآيَاتِ إِنْكَارُ أعيانها. والجحد بالآيات إنكار دلائلها.