Tafseer Al Qurtubi

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafseer Al Qurtubi tafsir for Surah As-Sajdah — Ayah 14

فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهُ مِنَ النِّسْيَانِ الَّذِي لَا ذِكْرَ مَعَهُ، أَيْ لَمْ يَعْمَلُوا لِهَذَا الْيَوْمِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ النَّاسِينَ. وَالْآخَرُ: أَنَّ "نَسِيتُمْ" بِمَا تَرَكْتُمْ، وَكَذَا "إِنَّا نَسِيناكُمْ". وَاحْتَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾[[راجع ج ١١ ص ٢٥١.]] [طه: ١١٥] قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى تَرَكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾[[راجع ج ٧ ص ١٧٧ فما بعد.]] [الأعراف: ٢٠] فَلَوْ كَانَ آدَمُ نَاسِيًا لَكَانَ قَدْ ذَكَّرَهُ. وأنشد:

كأنه خارجا مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأَدِ [[السفود: حديدة يشوى عليها اللحم. الشرب (بالفتح): جماعة القوم يشربون. والمفتأد. موضع النار الذي يشوى فيه. والبيت من معلقة النابغة الذبياني.]]

أَيْ تَرَكُوهُ. وَلَوْ كَانَ مِنَ النِّسْيَانِ لَكَانَ قَدْ عَمِلُوا بِهِ مَرَّةً. قَالَ الضَّحَّاكُ: "نَسِيتُمْ" أَيْ تَرَكْتُمْ أَمْرِي. يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ: أَيْ تَرَكْتُمُ الْإِيمَانَ بِالْبَعْثِ فِي هَذَا الْيَوْمِ. "نَسِيناكُمْ" تَرَكْنَاكُمْ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. مُجَاهِدٌ: تَرَكْنَاكُمْ فِي الْعَذَابِ. وَفِي اسْتِئْنَافِ قَوْلِهِ: "إِنَّا نَسِيناكُمْ" وَبِنَاءِ الْفِعْلِ عَلَى "إِنَّ" وَاسْمِهَا تَشْدِيدٌ فِي الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ. وَالْمَعْنَى: فَذُوقُوا هَذَا، أَيْ ما أنتم فيه من نكس الرؤوس وَالْخِزْيِ وَالْغَمِّ بِسَبَبِ نِسْيَانِ اللَّهِ. أَوْ ذُوقُوا الْعَذَابَ الْمُخَلَّدَ، وَهُوَ الدَّائِمُ الَّذِي لَا انْقِطَاعَ له في جهنم.

(بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) يَعْنِي فِي الدُّنْيَا مِنَ المعاصي. وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالذَّوْقِ عَمَّا يَطْرَأُ عَلَى النَّفْسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا، لِإِحْسَاسِهَا بِهِ كَإِحْسَاسِهَا بِذَوْقِ الْمَطْعُومِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:

فَذُقْ هَجْرَهَا إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهَا ... فَسَادٌ ألا يا ربما كذب الزعم

الْجَوْهَرِيُّ: وَذُقْتَ مَا عِنْدَ فُلَانٍ، أَيْ خَبَرْتَهُ. وَذُقْتَ الْقَوْسَ إِذَا جَذَبْتَ وَتَرَهَا لِتَنْظُرَ مَا شِدَّتُهَا. وَأَذَاقَهُ اللَّهُ وَبَالَ أَمْرِهِ. قَالَ طُفَيْلٌ:

فَذُوقُوا كَمَا ذُقْنَا غَدَاةَ مُحَجَّرٍ ... مِنَ الْغَيْظِ فِي أَكْبَادِنَا وَالتَّحَوُّبِ

وَتَذَوَّقْتَهُ أَيْ ذُقْتَهُ شَيْئًا بعد شي. وَأَمْرٌ مُسْتَذَاقٌ أَيْ مُجَرَّبٌ مَعْلُومٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:

وَعَهْدُ الْغَانِيَاتِ كَعَهْدِ قَيْنٍ ... وَنَتْ عَنْهُ الْجَعَائِلُ مستذاق

والذواق: الملول.