Asseraj fi Bayan Gharib AlQuran

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Asseraj fi Bayan Gharib AlQuran tafsir for Surah Ghafir — Ayah 40

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥ وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧ وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨ يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩ وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠ مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١ وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢ يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣ وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ ٣٤ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ ٣٥ وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦ أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧ وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩ مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠ ۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١ تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣ فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤ فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥ ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦
{23} أي: {ولقد أرسلنا}: إلى جنس هؤلاء المكذِّبين {موسى}: ابن عمران {بآياتِنا}: العظيمة الدالَّة دلالة قطعيةً على حقيقة ما أُرْسِل به وبطلان ما عليه مَنْ أرسل إليهم من الشرك وما يتبعه {وسلطانٍ مبين}؛ أي: حجة بيِّنة تتسلَّط على القلوب فتذعِنُ لها كالحيَّة والعصا ونحوهما من الآيات البيِّنات التي أيَّد الله بها موسى، ومكَّنه من ما دعا إليه من الحقِّ.
{24} والمبعوث إليهم {فرعون وهامان}: وزيره {وقارون}: الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم بمالِهِ، فكلُّهم ردُّوا عليه أشدَّ الردِّ، وقالوا:{ساحرٌ كذابٌ}.
{25}{فلمَّا جاءَهم بالحقِّ من عندِنا}: وأيَده الله بالمعجزات الباهرةِ الموجبة لتمام الإذعانِ؛ لم يقابلوها بذلك، ولم يكفِهِم مجرَّدُ الترك والإعراض، بل ولا إنكارها ومعارضتها بباطلهم، بل وصلتْ بهم الحالُ الشنيعة إلى أن {قالوا اقۡتُلوا أبناءَ الذين آمنوا معه واسۡتَحۡيوا نساءَهم وما كَيۡدُ الكافرينَ}: حيث كادوا هذه المكيدَة وزعموا أنَّهم إذا قَتَلوا أبناءَهم لم يَقْوَوْا، وبَقُوا في رقِّهم وتحت عبوديَّتهم. فما كيدهم {إلاَّ في ضلال}: حيث لم يتمَّ لهم ما قصدوا، بل أصابهم ضدُّ ما قصدوا، أهلكهم اللهُ، وأبادَهم عن آخرِهم. قاعدة: وتدبَّر هذه النكتة التي يكثر مرورُها بكتاب الله تعالى إذا كان السياقُ في قصَّة معيَّنة أو على شيء معيَّن، وأراد الله أن يحكُمَ على ذلك المعيَّن بحكم لا يختصُّ به؛ ذَكَرَ الحُكْمَ وعلَّقه على الوصف العامِّ؛ ليكون أعمَّ، وتندرج فيه الصورةُ التي سيق الكلام لأجلها، وليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعيَّن؛ فلهذا لم يقلْ: وما كيدُهم إلاَّ في ضلال، بل قال:{وَما كَيۡدُ الكافرين إلاَّ في ضلال}.
{26} و {قال فرعونُ}: متكبِّراً متجبِّراً مغرِّراً لقومه السفهاء: {ذَروني أقۡتُلۡ موسى ولۡيَدۡع ربَّه}؛ أي: زعم قبَّحه الله أنه لولا مراعاةُ خواطر قومه؛ لقتله، وأنه لا يمنعُه منه دعاءُ ربِّه. ثم ذكر الحاملَ له على إرادةِ قتلِهِ، وأنه نصحٌ لقومه وإزالةٌ للشرِّ في الأرض، فقال:{إني أخافُ أن يُبَدِّلَ دينَكُم}: الذي أنتم عليه {أو أن يُظۡهِرَ في الأرض الفساد}: وهذا من أعجب ما يكون! أن يكون شرُّ الخلق ينصحُ الناسَ عن اتِّباع خير الخلق. هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخُلُ إلاَّ عقل مَنْ قال الله فيهم:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه إنَّهم كانوا قوماً فاسقينَ}.
{27}{وقال موسى}: حين قال فرعونُ تلك المقالَة الشنيعةَ التي أوجَبَها له طغيانُه واستعان فيها بقوَّته واقتدارِهِ مستعيناً بربِّه: {إنِّي عذتُ بربِّي وربِّكم}؛ أي: امتنعتُ بربوبيَّته التي دبَّر بها جميع الأمور {من كل متكبِّرٍ لا يؤمنُ بيوم الحساب}؛ أي: يحمله تكبُّره وعدمُ إيمانه بيوم الحساب على الشرِّ والفسادِ، يدخُلُ فيه فرعونُ وغيره كما تقدَّم قريباً في القاعدة، فمنعه الله تعالى بلطفه من كلِّ متكبِّرٍ لا يؤمن بيوم الحساب، وقيَّض له من الأسباب ما اندفع به عنه شرُّ فرعونَ وملئه.
{28} ومن جملة الأسباب هذا الرجل المؤمن الذي من آل فرعون من بيت المملكةِ، لا بدَّ أن يكونَ له كلمةٌ مسموعةٌ، وخصوصاً إذا كان يظهِرُ موافقتَهم ويكتُمُ إيمانه؛ فإنهم يراعونَه في الغالب ما لا يراعونَه لو خالفهم في الظاهر؛ كما منع الله رسولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم - بعمه أبي طالب من قريش؛ حيث كان أبو طالب كبيراً عندهم موافقاً لهم على دينهم، ولو كان مسلماً؛ لم يحصلْ منه ذلك المنع، فقال ذلك الرجل المؤمن الموفَّق العاقل الحازم مقبِّحاً فعل قومه وشناعة ما عزموا عليه:{أتَقۡتُلونَ رجلاً أن يقولَ ربِّيَ اللهُ}؛ أي: كيف تستحلُّون قتلَه وهذا ذنبُه وجرمُه أَنَّه يقولَ ربِّيَ الله، ولم يكن أيضاً قولاً مجرَّداً عن البيناتِ، ولهذا قال:{وقد جاءكم بالبيِّناتِ من ربِّكم}: لأنَّ بيِّنته اشتهرت عندهم اشتهاراً علم به الصغيرُ والكبيرُ؛ أي: فهذا لا يوجب قتله؛ فهلاَّ أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحقِّ، وقابلتم البرهان ببرهان يردُّه ثم بعد ذلك نظرتُم هل يحلُّ قتلُه إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟! فأما وقد ظهرت حجَّته واستعلى برهانه؛ فبينكم وبين حِلِّ قتله مفاوزُ تنقطع بها أعناق المطيِّ. ثم قال لهم مقالةً عقليةً تقنِعُ كلَّ عاقل بأيِّ حالة قُدِّرت، فقال:{وإنۡ يكُ كاذباً فعليه كذِبُه وإن يكُ صادقاً يصِبۡكُم بعض الذي يعدكم}: أي: موسى بين أمرين إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان كاذباً فكذبه عليه وضرره مختصٌّ به، وليس عليكم في ذلك ضررٌ؛ حيث امتنعتُم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقاً، وقد جاءكم بالبينات وأخبركم أنَّكم إنْ لم تجيبوه عذَّبَكم الله عذاباً في الدُّنيا وعذاباً في الآخرة؛ فإنَّه لا بدَّ أن يصيبَكم بعضُ الذي يعِدُكم، وهو عذاب الدنيا. وهذا من حسن عقلِهِ ولطف دفعِهِ عن موسى؛ حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعلَ الأمر دائراً بين تلك الحالتين، وعلى كلِّ تقدير؛ فقتله سفهٌ وجهلٌ منكم. ثم انتقل ـ رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه ـ إلى أمرٍ أعلى من ذلك وبيان قرب موسى من الحقِّ فقال:{إن الله لا يهدي من هو مسرف}؛ أي؛ متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل، {كذابٌ}: بنسبته ما أسرف فيه إلى الله؛ فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب؛ لا في مدلوله، ولا في دليله، ولا يوفَّق للصراط المستقيم؛ أي: وقد رأيتُم ما دعا موسى إليه من الحقِّ وما هداه الله إلى بيانِهِ من البراهين العقليَّة والخوارق السماويَّة؛ فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكنُ أن يكون مسرفاً ولا كاذباً. وهذا دليلٌ على كمال علمِهِ وعقلِهِ ومعرفتِهِ بربِّه.
{29} ثم حذَّر قومه ونَصَحهم وخوَّفهم عذابَ الآخرة ونهاهم عن الاغترار بالمُلْك الظاهر، فقال:{يا قوم لكم الملكُ اليومَ}؛ أي: في الدنيا {ظاهرين في الأرض}: على رعيَّتِكم تنفِّذون فيهم ما شئتم من التدبير؛ فهَبْكم حصل لكم ذلك وتمَّ ولن يتمَّ؛ {فَمن ينصرُنا من بأس الله}؛ أي: عذابه {إن جاءنا}. وهذا من حسن دعوتِهِ؛ حيث جعلَ الأمرَ مشتركاً بينه وبينهم بقوله:{فمن ينصُرُنا}، وقوله:{إن جاءنا}؛ ليفهِمَهم أنَّه ينصحُ لهم كما ينصحُ لنفسه ويرضى لهم ما يرضى لنفسه، فَـ {قَالَ فرعونُ}: معارضاً له في ذلك ومغرِّراً لقومه أن يتَّبعوا موسى: {ما أريكم إلاَّ ما أرى وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشادِ}: وصدق في قوله: {ما أريكم إلاَّ ما أرى}، ولكن ما الذي رأى؟! رأى أن يستخفَّ قومَه فيتابعوه ليقيمَ بهم رياسته، ولم يَرَ الحقَّ معه، بل رأى الحقَّ مع موسى وجحد به مستيقناً له، وكذب في قوله:{ما أهديكم إلاَّ سبيل الرشادِ}؛ فإنَّ هذا قلبٌ للحقِّ؛ فلو أمرهم باتِّباعه اتِّباعاً مجرداً على كفره وضلاله؛ لكان الشرُّ أهونَ، ولكنه أمرهم باتِّباعه، وزعم أنَّ في اتِّباعه اتِّباعَ الحقِّ، وفي اتِّباع الحقِّ اتباعَ الضلال.
{30}{وقال الذي آمنَ}: مكرِّراً دعوة قومه، غير آيس من هدايتهم؛ كما هي حالةُ الدُّعاة إلى الله تعالى؛ لا يزالون يدعون إلى ربِّهم، ولا يردُّهم عن ذلك رادٌّ، ولا يثنيهم عتوُّ مَنْ دَعَوْه عن تكرار الدعوة، فقال لهم:{يا قوم إنِّي أخاف عليكم مثلَ يوم الأحزاب}؛ يعني: الأمم المكذِّبين الذين تحزَّبوا على أنبيائهم واجتمعوا على معارضتهم.
{31} ثم بيَّنهم فقال: {مثل دأب قوم نوح وعادٍ وثمودَ والذين من بعدِهم}؛ أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب، وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، {وما الله يريدُ ظلماً للعبادِ}: فيعذِّبُهم بغير ذنب أذنبوه ولا جرم أسْلَفوه.
{32} ولمَّا خوَّفهم العقوباتِ الدنيويةَ؛ خوَّفهم العقوباتِ الأخرويةَ، فقال:{ويا قوم إنِّي أخاف عليكم يومَ التَّناد}؛ أي: يوم القيامة؛ حين ينادي أهلُ الجنة أهل النار:{أن قد وجَدۡنا ما وعَدَنا ربُّنا حقًّا ... } إلى آخر الآيات، {ونادى أصحابُ النارِ أصحابَ الجنَّة أن أفيضوا علينا من الماءِ أو ممَّا رزَقَكُم الله قالوا إنَّ الله حرَّمَهما على الكافرين}، وحين ينادي أهلُ النار مالكاً:{ليقضِ علينا ربُّك}، فيقول:{إنَّكم ماكثون}، وحين ينادون ربَّهم:{ربَّنا أخۡرِجۡنا منها فإنۡ عُدۡنا فإنَّا ظالمون}، فيجيبهم:{اخسؤوا فيها ولا تكلِّمونِ}، وحين يُقالُ للمشركين:{ادۡعوا شركاءَكم فَدَعَوۡهم فلم يستجيبوا لهم}.
{33} فخوَّفهم رضي الله عنه هذا اليوم المهول، وتوجَّع لهم إن أقاموا على شركِهِم بذلك، ولهذا قال:{يوم تولُّون مدبرينَ}؛ أي: قد ذهب بكم إلى النار. {ما لكم من الله من عاصم}: لا من أنفسكم قوَّة تدفعون بها عذابَ الله ولا ينصرُكم من دونِهِ من أحدٍ، {يوم تُبۡلى السرائرُ. فما له من قوَّةٍ ولا ناصرٍ}. {ومن يُضۡلِلِ الله فما له من هادٍ}: لأن الهدى بيد الله تعالى. فإذا منع عبدَه الهدى لعلمِهِ أنه غير لائق به لخبثه؛ فلا سبيل إلى هدايته.
{34}{ولقد جاءكم يوسفُ}: بنُ يعقوب عليهما السلام {من قبل}: إتيان موسى بالبينات الدَّالَّة على صدقه، وأمركم بعبادة ربِّكم وحده لا شريك له، {فما زلتُم في شكٍّ مما جاءكم به}: في حياته، {حتى إذا هَلَكَ}: ازداد شكُّكم وشرككم، {وقلتم لن يبعثَ الله من بعده رسولاً}؛ أي: هذا ظنكم الباطل وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى؛ فإنَّه تعالى لا يترك خلقه سدى لا يأمرهم وينهاهم، بل يرسل إليهم رسله؛ وظنٌّ أنَّ الله لا يرسل رسولاً ظنُّ ضلال، ولهذا قال:{كذلك يضلُّ الله من هو مسرفٌ [مرتابٌ] }: وهذا هو وصفهم الحقيقيُّ الذي وصفوا به موسى ظلماً وعلوًّا؛ فهم المسرفون بتجاوزهم الحقَّ وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبةُ حيث نسبوا ذلك إلى الله وكذَّبوا رسوله؛ فالذي وصفُه السرفُ والكذبُ لا ينفكُّ عنهما لا يهديه الله ولا يوفِّقه للخير؛ لأنه ردَّ الحقَّ بعد أن وصل إليه وعرفه؛ فجزاؤه أن يعاقِبَه الله بأن يَمْنَعَه الهدى؛ كما قال تعالى:{فلما زاغوا أزاغَ الله قلوبَهم}، {ونقلِّبُ أفئدتَهم وأبصارَهم كما لم يؤمِنوا به أولَ مرَّةٍ ونَذَرُهم في طغيانهم يَعۡمَهون}، {واللهُ لا يهدي القوم الظالمينَ}.
{35} ثم ذكر وصفَ المسرف الكذاب، فقال:{الذين يجادلونَ في آياتِ الله}: التي بينت الحقَّ من الباطل وصارت من ظهورها بمنزلة الشمس للبصر؛ فهم يجادلون فيها على وضوحها لِيَدْفَعوها ويُبْطِلوها {بغير سلطانٍ أتاهم}؛ أي: بغير حجَّة وبرهان، وهذا وصفٌ لازمٌ لكلِّ من جادل في آيات الله؛ فإنَّه من المحال أن يجادلَ بسلطان؛ لأن الحقَّ لا يعارضه معارضٌ؛ فلا يمكن أن يعارضَ بدليل شرعيِّ أو عقليٍّ أصلاً. {كَبُرَ}: ذلك القول المتضمِّن لردِّ الحقِّ بالباطل {مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا}: فالله أشدُّ بغضاً لصاحبه؛ لأنَّه تضمَّن التكذيب بالحقِّ والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمورٌ يشتدُّ بغض الله لها ولمن اتَّصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشدَّ المقت موافقةً لربهم، وهؤلاء خواصُّ خلق الله تعالى؛ فمقتُهم دليلٌ على شناعة مَن مقتوه. {كذلك}؛ أي: كما طبع على قلوب آل فرعون، {يطبعُ الله على كلِّ قلبِ متكبرٍ جبارٍ}: متكبر في نفسه على الحقِّ بردِّه وعلى الخلق باحتقارِهِم، جبارٍ بكثرة ظلمه وعدوانه.
{36 ـ 37}{وقال فرعونُ}: معارضاً لموسى ومكذِّباً له في دعوته إلى الإقرار بربِّ العالمين الذي على العرش استوى وعلى الخلق اعتلى: {يا هامانُ ابنِ لي صرحاً}؛ أي: بناءً عظيماً مرتفعاً، والقصد منه: لعلي أطلع {إلى إله موسى وإنِّي لأظنُّه كاذباً}: في دعواه أن لنا ربًّا، وأنه فوق السماواتِ، ولكنه يريد أن يحتاط فرعون ويختبر الأمر بنفسه، قال الله تعالى في بيان الذي حمله على هذا القول:{وكذلك زُيِّنَ لفرعونَ سوءُ عملِهِ}: فزُيِّن له العمل السيئ، فلم يزل الشيطان يزيِّنه وهو يدعو إليه ويحسِّنه حتى رآه حسناً ودعا إليه وناظر مناظرة المحقِّين وهو من أعظم المفسدين. {وصُدَّ عن السبيل}: الحق بسبب الباطل الذي زُيِّن له. {وما كيدُ فرعونَ}: الذي أراد أن يكيد به الحقَّ ويوهم به الناس أنه محقٌّ وأن موسى مبطلٌ {إلاَّ في تبابٍ}؛ أي: خسارٍ وبوارٍ، لا يفيده إلا الشقاء في الدنيا والآخرة.
{38}{وقال الذي آمنَ}: معيداً نصيحته لقومه: {يا قوم اتَّبعونِ أهۡدِكُم سبيل الرشادِ}: لا كما يقولُ لكم فرعونُ؛ فإنه لا يهديكم إلا طريق الغيِّ والفساد.
{39}{يا قوم إنَّما هذه الحياةُ الدنيا متاعٌ}: يُتَمَتَّع بها ويُتَنَعَّم قليلاً، ثم تنقطع وتضمحلُّ؛ فلا تغرَّنَّكم وتخدعنَّكم عما خلقتم له. {وإن الآخرةَ هي دارُ القرارِ}: التي هي محلُّ الإقامة ومنزل السكون والاستقرار؛ فينبغي لكم أن تؤثروها وتعملوا لها عملاً يسعِدُكم فيها.
{40}{من عمل سيئةً}: من شرك أو فسوق أو عصيان {فلا يُجۡزى إلا مثلَها}؛ أي: لا يجازَى إلا بما يسؤوه ويحزنه؛ لأن جزاء السيئة السوء. {ومن عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى}: من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان؛ {فأولئك يدخُلون الجنةَ يُرزقون فيها بغير حسابٍ}؛ أي: يعطَوْن أجرهم بلا حدٍّ ولا عدٍّ، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم.
{41}{ويا قوم مالي أدعوكُم إلى النجاةِ}: بما قلت لكم، {وتدعونَني إلى النار}: بترك اتِّباع نبيِّ الله موسى عليه السلام.
{42} ثم فسر ذلك فقال: {تدعونني لأكفرَ بالله وأشركَ به ما ليس لي به علمٌ}: أنَّه يستحقُّ أن يُعْبَدَ من دون الله، والقول على الله بلا علم من أكبرِ الذُّنوب وأقبحها. {وأنا أدعوكُم إلى العزيز}: الذي له القوةُ كلُّها، وغيره ليس بيدِهِ من الأمر شيء:{الغفَّار}: الذي يسرف العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مساخطه، ثم إذا تابوا وأنابوا إليه؛ كفَّر عنهم السيئاتِ والذنوبَ ودفع موجباتها من العقوبات الدنيويَّة والأخرويَّة.
{43}{لا جَرَمَ}؛ أي: حقاً يقيناً {أنَّ ما تدعونني إليه ليس له دعوةٌ في الدنيا ولا في الآخرة}؛ أي: لا يستحقُّ [مِن] الدعوة إليه والحثِّ على اللجأ إليه في الدُّنيا ولا في الآخرة لعجزه ونقصه، وأنَّه لا يملك نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، {وأنَّ مردَّنا إلى الله}: تعالى فسيجازي كلَّ عامل بعمله، {وأنَّ المسرفين هم أصحابُ النار}: وهم الذين أسرفوا على أنفسِهم بالتجرِّي على ربِّهم بمعاصيه والكفر به دون غيرهم.
{44} فلما نصحهم وحذَّرهم وأنذرهم ولم يطيعوه ولا وافقوه؛ قال لهم:{فستذكرونَ ما أقول لكم}: من هذه النصيحة، وسترون مغبَّة عدم قبولها حين يحلُّ بكم العقاب وتحرمون جزيل الثواب، {وأفوِّضُ أمري إلى الله}؛ أي: ألجأ إليه وأعتصمُ وألقي أموري كلَّها لديه وأتوكَّل عليه في مصالحي ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم. {إنَّ الله بصيرٌ بالعباد}: يعلمُ أحوالكم وما يستحقُّون: يعلم حالي وضَعْفي فيمنعني منكم ويكفيني شرَّكم، ويعلم أحوالَكم فلا تتصرَّفون إلاَّ بإرادتِهِ ومشيئتِهِ؛ فإنْ سلَّطكم عليَّ؛ فبحكمة منه تعالى وعن إرادتِهِ ومشيئتِهِ صَدَرَ ذلك.
{45 ـ 46}{فوقاه الله سيئاتِ ما مَكَروا}؛ أي: وقى الله القويُّ الرحيم ذلك الرجلَ المؤمن الموفَّق عقوباتِ ما مكر فرعونُ وآله له من إرادة إهلاكه وإتلافه لأنه بادأهم بما يكرهون وأظهر لهم الموافقةَ التامَّة لموسى عليه السلام، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمرٌ لا يحتملونه، وهم الذين لهم القدرةُ إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتدَّ حَنَقُهم عليه، فأرادوا به كيداً، فحفظه الله من كيدهم ومكرهم، وانقلب كيدُهم ومكرُهم على أنفسهم. {وحاق بآل فرعونَ سوءُ العذاب}: أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدةٍ عن آخرهم، وفي البرزخ:{النار يُعۡرَضون عليها غدُوًّا وعشيًّا ويوم تقومُ الساعة أدخِلوا آلَ فرعونَ أشدَّ العذاب}: فهذه العقوبات الشنيعة التي تحل بالمكذِّبين لرسل الله المعاندين لأمره.