﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .
صفحة ٢٦٤
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] يُبَيِّنُ أنَّ انْقِسامَهم إلى قِسْمَيِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ نَشَأ عَنْ حِيادِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ الحَقَّ أنْ يُؤْمِنَ النّاسُ بِوُجُودِ خالِقِهِمْ، وبِأنَّهُ واحِدٌ وأنْ يَفْرِدُوهُ بالعِبادَةِ فَذَلِكَ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقالَ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] فَمَن حادَ عَنِ الإيمانِ ومالَ إلى الكُفْرِ فَقَدْ حادَ عَنِ الحَقِّ والفِطْرَةِ.* * *
﴿بِالحَقِّ﴾ .وقَوْلُهُ (﴿بِالحَقِّ﴾) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾) وجُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) .
وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ إيماءٌ إلى إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ لِأنَّ قَوْلَهُ بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (خَلَقَ) تَعَلُّقَ المُلابَسَةِ المُفادَ بِالباءِ، أيْ خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِ، والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] . والباطِلُ ماصَدَقَهُ هُنالِكَ هو العَبَثُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] فَتَعَيَّنَ أنَّ ماصَدَقَ الحَقِّ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ ضِدُّ العَبَثِ والإهْمالِ.
والمُرادُ بِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ خَلَقَ ذَواتِهِنَّ وخُلِقَ ما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، أيْ ما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الآيَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
ومُلابَسَةُ الحَقِّ لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُلابَسَةً عامَّةً مُطَّرِدَةً لِأنَّهُ لَوِ اخْتَلَّتْ مُلابَسَةُ حالٍ مِن أحْوالِ مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ لِلْحَقِّ لَكانَ ناقِضًا لِمَعْنى مُلابَسَةِ خَلْقِها لِلْحَقِّ، فَكانَ نَفْيُ البَعْثِ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِ المَخْلُوقاتِ مُوجِبًا
صفحة ٢٦٥
اخْتِلالَ تِلْكَ المُلابَسَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ. وتَخَلُّفُ الجَزاءِ عَنِ الأعْمالِ في الدُّنْيا مُشاهَدٌ إذْ كَثِيرًا ما نَرى الصّالِحِينَ في كَرْبٍ ونَرى أهْلَ الفَسادِ في نِعْمَةٍ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا قُصارى حَياةِ المُكَلَّفِينَ لَكانَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ غَيْرَ لاقٍ جَزاءً عَلى صَلاحِهِ. وانْقَلَبَ أكْثَرُ أهْلِ الفَسادِ مُتَمَتِّعًا بِإرْضاءِ خَباثَةِ نَفْسِهِ ونَوالِ مُشْتَهَياتِهِ، فَكانَ خَلْقُ كِلا هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ غَيْرَ مُلابِسٍ لِلْحَقِ، بِالمَعْنى المُرادِ.ولِزِيادَةِ الإيقاظِ لِهَذا الإيماءِ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾) وكُلُّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ إلى ما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] ) الآيَةَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ رَمْزٌ إلى الجَزاءِ وهو وعِيدٌ ووَعْدٌ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى آخِرِهِ إظْهارٌ أيْضًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ في مَلَكُوتِهِ.
* * *
﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ إدْماجُ امْتِنانٍ عَلى النّاسِ بِأنَّهم مَعَ ما خُلِقُوا عَلَيْهِ مِن مُلابَسَةِ الحَقِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وذَلِكَ مِنَ الكَمالِ وهو ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ فَقَدْ خُلِقُوا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ إذْ كانَتْ صُورَةُ الإنْسانِ مُسْتَوْفِيَةَ الحُسْنِ مُتَماثِلَةً فِيهِ لا يَعْتَوِرُها مِن فَظاعَةِ بَعْضِ أجْزائِها ونُقْصانِ الِانْتِفاعِ بِها ما يُناكِدُ مَحاسِنَ سائِرِها بِخِلافِ مَحاسِنِ أحاسِنِ الحَيَوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ والحِيتانِ مِن مَشْيٍ عَلى أرْبَعٍ مَعَ انْتِكاسِ الرَّأْسِ غالِبًا، أوْ زَحْفٍ، أوْ نَقْزٍ في المَشْيِ في البَعْضِ.ولا تَعْتَوِرُ الإنْسانَ نَقائِصُ في صُورَتِهِ إلّا مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ في مُدَّةِ تَكْوِينِهِ مِن صَدَماتٍ لِبُطُونِ الأُمَّهاتِ، أوْ عِلَلٍ تَحِلُّ بِهِنَّ، أوْ بِالأجِنَّةِ أوْ مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ لَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ فَتُشَوِّهُ بَعْضَ مَحاسِنِ الصُّوَرِ. فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ مِن أصْلِ تَصْوِيرِ الإنْسانِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ نُدْرَتِهِ لا يُعَدُّ فَظاعَةً ولَكِنَّهُ نَقْصٌ نِسْبِيٌّ في المَحاسِنِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الإيماءِ إلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ قَدْ نَبَّهَهم إلى ما اقْتَضاهُ الإنْعامُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ كَما قالَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥]، وقالَ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .
* * *
صفحة ٢٦٦
﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) لِأنَّ التَّصْوِيرَ يَقْتَضِي الإيجادَ فَأُعْقِبَ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ بَعْدَ هَذا الإيجادِ فَناءً ثُمَّ بَعْثًا لِلْجَزاءِ.والمَصِيرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلٍ صارَ بِمَعْنى رَجَعَ وانْتَهى، ولِذَلِكَ يُعَدّى بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ، أيْ ومَرْجِعَكم إلَيْهِ يَعْنِي بَعْدَ المَوْتِ وهو مَصِيرُ الحَشْرِ لِلْجَزاءِ.
وتَقْدِيمُ (إلَيْهِ) عَلى (المَصِيرُ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ إفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ ذَلِكَ المَصِيرِ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ المَحْضِ. ولَيْسَ مُرادًا بِالتَّقْدِيمِ قَصْرٌ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِهَذا المَصِيرِ مِن أصْلِهِ بَلْهَ أنْ يَدَّعُوا أنَّهُ مَصِيرٌ إلى غَيْرِهِ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بالقَصْرِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ أشَدُّ ارْتِباطًا بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مِنها بِجُمْلَةِ ( ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.
QUL supports exporting tafsir content in both JSON and SQLite formats.
Tafsir text may include <html> tags for formatting such as <b>,
<i>, etc.
Note:
Tafsir content may span multiple ayahs. QUL exports both the tafsir text and the ayahs it applies to.
Example JSON Format:
{
"2:3": {
"text": "tafisr text.",
"ayah_keys": ["2:3", "2:4"]
},
"2:4": "2:3"
}
"ayah_key" in "surah:ayah", e.g. "2:3" means
3rd ayah of Surah Al-Baqarah.
text: the tafsir content (can include HTML)ayah_keys: an array of ayah keys this tafsir applies toayah_key where the tafsir text can be found.
ayah_key: the ayah for which this record applies.group_ayah_key: the ayah key that contains the main tafsir text (used for shared tafsir).
from_ayah / to_ayah: start and end ayah keys for convenience (optional).ayah_keys: comma-separated list of all ayah keys that this tafsir covers.text: tafsir text. If blank, use the text from the group_ayah_key.