﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٩]؛ يعني: وسبح ربك من الليل، لا كل الليل بل (مِن)، و(مِن) هنا للتبعيض، ولهذا لما سمع النبي ﷺ بأقوام من أصحابه قال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، قال النبي ﷺ: «أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس بن مالك بنحوه.]]، ولذلك يُكره للإنسان أن يقوم الليل كله، حتى لو كان فيه قوة ونشاط فلا يقوم الليل كله، إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحيي ليلها كله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤ / ٧) من حديث عائشة.]].
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٩]؛ يعني: وقت إدبارها. وهل المراد إدبار ضوئها بانتشار نور الشمس، أو إدبار ذواتها عند الغروب؟ فالجواب: هذا وهذا، والمراد بذلك صلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر بها تدبر النجوم، وصلاة الفجر وصلاة العصر هما أفضل الصلوات الخمس، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَإِنِ اسْتَطْعَتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]، والمراد بالصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة العصر. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥ / ٢١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، والبردان هما صلاة الفجر وصلاة العصر، فصلاة الفجر براد الليل، وصلاة العصر براد النهار. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾.
وبهذا انتهى الكلام بما يسر الله عز وجل على سورة الطور. نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة؛ إنه هو الوهاب.