Tafsir Ibn Uthaymeen

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Uthaymeen tafsir for Surah An-Najm — Ayah 29

فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩

ثم قال عز وجل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم ٢٩] أعرض الخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو المراد به كل من يصح أن يوجَّه إليه الخطاب، فعلى الأول يكون المعنى: أعرض يا محمد، وعلى الثاني: أعرض أيها الإنسان المؤمن.

﴿عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني: أعرض عنه لا تتبعه، ولا يهمنك أمره، وليس المعنى: أعرض عنه لا تنصحه، لا، التذكير واجب، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات ٥٥] يعني ذكر كل أحد، فمن الناس من ينتفع ومنهم من لا ينتفع، والذي ينتفع هو المؤمن، فعلى هذا نقول: معنى أعرض أعني: لا تبالِ به، ولا يهمنك أمره، ولا تستحسر من أجل توليه، بل ادع إلى سبيل الله عز وجل أيًّا كان، لكن من أعرض وتولى لا يهمك أمره.

﴿أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وهو القرآن، ويحتمل أن يكون الذكر بمعنى التذكير، أي: عن تذكيرنا، وكلا المعنيين متلازمان صحيحان، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] أو أن المعنى: ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: عن تذكيرنا، بالمواعظ التي ينزلها الله عز وجل.

﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ اللهم أعذنا من فتنة الدنيا؛ يعني: لا يريد الآخرة ولا يهتم بها، همه الدنيا، ويش المركوب، ويش الملبوس، ويش المسكون، ويش المنكوح، اتبعوا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين، ما يهتم بالآخرة، أهم شيء عنده هي الدنيا، أما ذكر الله القرآن أو تذكير الله فإنه متولٍ عنه -والعياذ بالله- نسأل الله السلامة والعافية.

﴿أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ولكن شوف ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وصفها بالدنيا من الدنو، وهو القرب؛ وذلك لانحطاط مرتبتها، ولسبقها على الآخرة؛ لأن الدار الدنيا هي أول دار ينزلها الإنسان، وهي سابقة في الزمن على الآخرة، فهي دنيا -يعني: قريبة- هي أيضًا دنيا من حيث المرتبة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، اللهم اجعل لنا موضعًا فيها، خير من الدنيا وما فيها، ما هي خير من الدنيا اللي أنت فيها فقط، من الدنيا منذ خلقها الله إلى أن تفنى، موضع السوط الذي يكون بقدر المتر في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، إذن هي دنيا.

ولهذا إذا مات الإنسان وهو مؤمن -جعلنا الله وإياكم منهم- ثم حُمل من بيته الذي يسكنه ويأوي إليه، وفيه أهله وماله وحشمه، إذا خرج تقول روحه: قَدِّموني قَدِّموني، لماذا؟ لأن ما ستذهب إليه خيرٌ مما تخرج منه، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] الآخرة خير وأبقى، لكن لمن؟ ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧] لكنها شرٌ لمن لم يتق.

يذكر أن ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- وكان رئيس القضاة في مصر، مر يومًا من الأيام في موكبه على العربة تجره البغال وحوله الجنود، برجلٍ يهودي زيات -يبيع الزيت- قد تدنست ثيابه بالزيت، وشقي في طلب المعيشة، فأوقف الموكب -الذي أوقفه اليهودي- وقال لابن حجر: إن نبيكم يزعم «أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فكيف يتفق هذا الحديث مع الواقع؟! أنت الآن مؤمن وهو يهودي، وأيهما أشقى؟ في هذه المسألة اليهودي أشقى، فكيف يتفق مع الواقع؟! فقال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة للآخرة سجن؛ لأن الآخرة خير لمن اتقى، وما أنت فيه بالنسبة للآخرة جنة؛ لأن الآخرة مالك فيها إلا النار وبئس القرار، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، شوف كيف فتح الله عليه، حيث ظهر صدق كلام الرسول عليه الصلاة والسلام بكل سهولة.

المهم أن الآخرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولهذا ذم الله هذا الذي أعرض عن ذكر الله، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ولنسأل: هل من أراد الحياة الدنيا تحصل له؟

لا، ما تحصل له، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء ١٨]، ما هو ما يشاء، هو ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٨، ١٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠] لأنه يعطى الدنيا والآخرة ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ بعضها ما هو كلها ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].