Tafsir Ibn Uthaymeen

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Uthaymeen tafsir for Surah Al-Hadid — Ayah 9

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحديد: ٩] لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو إلى الإيمان، بيَّن أنه ﷺ أتى بآيات بينات، أي: علامات دالة على صدقه، وأن ما جاء به فهو حق، بينات: ظاهرات، بما اشتملت عليه من القصص النافعة، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والفصاحة التامة، والبيان العجيب، حتى إن العرب -وهم أئمة البلاغة وأمراؤها- تحداهم الله عز وجل عدة مرات أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولم يستطيعوا، فيقول عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: علامات دالة على أنه رسول الله حقًّا، وأن ما جاء به فهو حق، وذلك لما اشتملت عليه من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة والقصص النافعة، والفصاحة والبلاغة وغير ذلك مما هو معلوم.

وقوله عز وجل: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد ٩] قوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ يَحتمِل أن يكون المراد بذلك الرسول ﷺ، أي: ليكون سببًا لإخراجكم من الظلمات إلى النور، ويحتمل أن يعود إلى الله عز وجل، أي: ليخرجكم الله تعالى بهذه الآيات من الظلمات إلى النور، وكلا المعنيين حق، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، فالنبي ﷺ سبب أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأما المخرج حقيقة فهو الله عز جل.

والمراد بالظلمات ظلمات الجهل وظلمات الشرك، ظلمات العدوان، ظلمات العصيان، كل ما خالف الحق فهو ظلم، وكل ما وافقه فهو نور.

فقوله عز جل: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ الضمير ليخرجكم من؟

* طالب: الكاف..

* الشيخ: الكاف للناس، لكن الفاعل الضمير يعود على من؟ إما على الله وإما على الرسول.

ما هو الذي يؤيد أن يعود إلى الله؟ قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، والذي يؤيد أن يعود إلى الرسول؟ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم ١]، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين، ولا منافاة بينهما، تُحمل عليهما جميعًا، فالله المخرج حقيقة، والرسول مخرج على أنه سبب.

﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد ٩] الجملة هذه خبرية مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، والرأفة أرق الرحمة، والرحمة أعم، فهو عز وجل رؤوف رحيم، أي: ذو رحمة بالمؤمنين عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] رحمة الله سبحانه وتعالى إما عامة وإما خاصة، فالعامة: الشاملة لجميع الناس، والخاصة: بالمؤمنين، كما قال عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].

فإذا قال قائل: أي رحمة من الله عز وجل للكافر؟

فالجواب: أمده بأنعام وبنين وعقل وأمن ورزق، بل إنهم -أي الكفار- قد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أليس كذلك؟ قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل ٦١].

فإذا سألك سائل: هل لله رحمة على الكافر؟ فلا تقل: نعم ولَّا لا، أما بالمعنى العام فنعم رحِمه، ولولا رحمة الله به لهلك، وأما بالمعنى الخاص فلا، الرحمة الخاصة للمؤمنين فقط؛ كما قال عز جل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].