Tafsir Ibn Uthaymeen

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Uthaymeen tafsir for Surah Al-A'la — Ayah 1

سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفُسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ فإنَّنا نستفتح لقاءنا هذا الأسبوعيَّ الثاني من شهر رجب عام أربعة عشر وأربع مئة وألف، والذي يتمُّ في كلِّ يوم خميس، نستفتحه بتفسير سورة (سبح اسم ربك الأعلى)؛ لأنَّه انتهى بنا المطاف في تفسير جزء النبأ إلى هذه السورة، واخترنا أنْ نفسِّر الآيات القصيرة في المفصَّل لأنها تُقرأ كثيرًا في الصلوات على العامَّة.

والقرآن نزل لأمورٍ ثلاثة:

الأمر الأول: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بتلاوته الذي يترتَّب عليه الأجر؛ فإنَّ مَن قرأ حرفًا من القرآن كان له به عشر حسنات.

والثاني: التدبُّر لمعانيه.

والثالث: الاتِّعاظ به؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].

ولا يمكن أن يتذكَّر أحدٌ بالقرآن إلا إذا عرف المعنى؛ لأنَّ الذي لا يعرف المعنى بمنزلة الذي لا يقرأ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨] أي: إلا قراءة. لهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على معرفة معنى القرآن حتى ينتفع به، وحتى يكون متَّبِعًا لآثار السلف؛ فإنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، فنبدأ بأول سورة (سبح اسم ربك الأعلى).

البسملة سبق الكلام عليها وأنها آيةٌ من كتاب الله مستقلَّةٌ، ليست من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، ولا من أيِّ سورة في القرآن، لكنَّها آيةٌ مستقلَّةٌ تنزل في ابتداء كلِّ سورة، ولهذا كان الصحيح أنَّ الفاتحة أول آيةٍ فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. هذا هو القول الصحيح الذي دلَّت عليه سُنَّة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

يقول الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] والخِطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخطاب الموجَّه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام:

القِسم الأول: أن يقوم الدليلُ على أنَّه خاصٌّ به فيختص به.

الثاني: أن يقوم الدليلُ على أنَّه عامٌّ فيعُم.

والثالث: ألَّا يدلَّ دليلٌ على هذا ولا على هذا، فيكون خاصًّا به لفظًا، عامًّا له وللأُمَّة حكمًا.

مثال الأول قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]؛ فإنَّ هذا من المعلوم أنَّه خاصٌّ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ومثالُ الثاني الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام وفيه قرينةٌ تدلُّ على العموم قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١]؛ فوجَّه الخطابَ أولًا للرسول عليه الصلاة والسلام، قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ولم يَقُل: يا أيُّها الذين آمنوا إذا طلَّقتم، قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يَقُل: يا أيُّها النبي إذا طلقتَ. قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، فدلَّ هذا على أنَّ الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام موجَّهٌ له وللأُمَّة.

وأمَّا أمثلة الثالث فهي كثيرةٌ جدًّا، يوجِّه الله الخطابَ للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد الخطابُ له لفظًا وللعموم حُكمًا.

هنا يقول الله عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿سَبِّحِ﴾ يعني: نَزِّه اللَّهَ عن كلِّ ما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنَّ التسبيح يعني التنزيه؛ إذا قلت: (سُبحان الله)، يعني أنَّني أُنَزِّه اللَّهَ عن كلِّ سوء، عن كلِّ عيب، عن كلِّ نَقْص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى: السلام، القدوس؛ لأنَّه متنَزِّهٌ عن كلِّ عيب، ونحن نضرب لكم أمثلة:

من صفات الله تعالى (الحياة)، هل في حياته نَقْص؟ لا. حياة المخلوق فيها نَقْص؛ أولًا: لأنها مسبوقة بالعدم؛ الإنسان ليس أزليًّا. وثانيًا: أنها ملحوقةٌ بالفناء؛ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦].

(السمع) سَمْع الله عز وجل فيه نَقْص؟ الجواب: لا، ليس فيه نَقْص، يسمع كلَّ شيء، حتى إنَّ المرأة التي جاءتْ تشتكي إلى النبي ﷺ، والتي ذكر الله تعالى قصَّتها في سورة المجادلة، كانت تُحدِّث النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعائشةُ في الحُجرة يخفى عليها بعضُ حديثها، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، ولهذا قالت عائشة: «الحمد لله الذي وَسِع سمعُه الأصواتَ، إنَّ المرأة المجادِلة لَتشتكي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنَّه لَيَخفى عليَّ بعضُ حديثها»[[أخرج النسائي (٣٤٦٠) وابن ماجه (١٨٨) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الحمد لله الذي وَسِعَ سمعُه الأصوات؛ لقد جاءت خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجَها فكان يخفى عليَّ كلامُها، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] الآية.]]. إذَنْ معنى ﴿سَبِّحِ﴾ (سبحان الله) معناها أيش؟ أُنَزِّه الله عن كلِّ عيبٍ ونَقْص.

وقوله: ﴿اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال بعض المفسِّرين: إنَّ قوله ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ يعني مسمَّى ربِّك؛ لأنَّ التسبيح ليس للاسم بل لله نفسه، ولكن الصحيح أنَّ معناها: سَبِّحْ ربَّك ذاكرًا اسمه، يعني لا تُسَبِّحه بالقلب فقط، بلْ سَبِّحه بالقلب واللسان، وذلك بذِكر اسمه تعالى، ويدلُّ لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤] يعني: سبِّح تسبيحًا مقرونًا بالاسم؛ وذلك لأنَّ تسبيح الله تعالى قد يكون بالقلب، بالعقيدة، وقد يكون باللسان، وقد يكون بهما جميعًا، والمقصود أن يُسبِّح بهما جميعًا؛ بقَلْبه لافظًا بلسانه.

وقوله: ﴿رَبِّكَ﴾ الربُّ معناه: الخالق المالك المدبِّر لجميع الأمور. فالله تعالى هو الخالق، وهو المالك، وهو المدبِّر لجميع الأمور.

وهل المشركون يُقِرُّون بذلك؟

الجواب: نعم، يُقِرُّون بذلك؛ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، وأَخْبر الله سبحانه وتعالى أنهم إذا سُئلوا ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١]، فهُمْ يُقِرُّون بأنَّ الله له الملْك وله التدبير وله الخلْق، لكن يعبدون معه غيره من الجهل، كيف تُقِرُّ بأنَّ الله وحده هو الخالق المالك المدبِّر للأمور كلِّها وتعبد معه غيره؟! إذَنْ معنى الرب على هذا هو الخالق المالك المدبِّر لجميع الأمور، وكلُّ إنسانٍ يُقِرُّ بذلك يَلزمه ألَّا يعبد إلا الله كما تدلُّ عليه الآيات الكثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١]. قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: لا تعبدوا غيره.

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿الْأَعْلَى﴾ من العلوِّ، وعلوُّ الله عز وجل نوعان: علوُّ صفةٍ، وعلوُّ ذاتٍ.

أمَّا علوُّ الصفة فإنَّ أكمل الصفات لله عز وجل؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠].

وأمَّا علوُّ الذات فهو أنَّ الله تعالى فوق عباده مستوٍ على عرشه، والإنسان إذا قال: يا الله، أين يتَّجه؟

* طالب: إلى السماء.

* الشيخ: يتَّجه إلى السماء، إلى فوق؛ فالله جل وعلا فوق كلِّ شيءٍ، مستوٍ على عرشه.

إذَن ﴿الْأَعْلَى﴾ إذا قرأتَها فاستشعِرْ بنفسك أنَّ الله عالٍ بصفاته وعالٍ بذاته، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول أيش؟ (سبحان ربِّي الأعلى)، يتذكَّر بسفوله هو؛ لأنه هو الآن نَزَل، أَنْزلُ شيءٍ هو هذا؛ فأشرفُ ما في الإنسان وأعلى ما في الإنسان هو وجهه، ومع ذلك يُنزله، يجعله في الأرض التي تُداس بالأقدام، فكان من الحكمة أن يقول: (سبحان ربِّي الأعلى) يعني: أُنَزِّه ربِّي الذي هو فوق كلِّ شيء؛ لأنِّي نزلتُ أنا أسفل كلِّ شيء، فتُسبِّح اللَّهَ الأعلى بصفاته والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: (سبحان ربِّي الأعلى) أنَّ ربَّك تعالى فوق كلِّ شيء، وأنَّه أكملُ كلِّ شيء في الصفات.