Tafsir Ibn Uthaymeen

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Uthaymeen tafsir for Surah Al-A'la — Ayah 16

بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ١٦ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧

ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الانتقالي. لأنَّ (بل) تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي؛ أي إنَّه سبحانه وتعالى انتقل ليبيِّن حالَ الإنسان أنَّه مُؤْثِرٌ للحياة الدنيا لأنها عاجلة، والإنسان خُلِق من عَجَل ويحبُّ ما فيه العجلة، فتجده يُؤْثِر الحياة الدنيا، وهي في الحقيقة على وصْفها دُنيا؛ دُنيا زمنًا، ودُنيا وصفًا؛ أمَّا كونُها دُنيا زمنًا فلأنها سابقةٌ على الآخرة فهي متقدِّمةٌ عليها، والدُّنُوُّ بمعنى القُرب، وأمَّا كونُها دُنيا ناقصة، فكذلك هو الواقع، فإنَّ الدنيا مهما طالت بالإنسان فإنَّ أَمَدَها الفناء، فإنَّ منتهاها الفناء، ومهما ازدهرتْ للإنسان فإن عاقبتها الذبول، ولهذا لا يكاد يمرُّ بك يومٌ في سرورٍ إلا وعقبه حزن، وفي هذا يقول الشاعر:

فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ

تأمَّلْ حالَك في الدنيا تجدْ أنَّه لا يمرُّ بك وقتٌ ويكون الصفو فيه دائمًا بل لا بدَّ من كَدَر، ولا يكون السرور دائمًا بل لا بدَّ من حزن، ولا تكون راحةٌ دائمًا بل لا بدَّ من تعب، فالدنيا على اسمها دُنيا.

﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ الآخرة خيرٌ من الدنيا وأبقى، خيرٌ؛ فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا يُنَغَّص بكَدَر؛ ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨]، كذلك أيضًا هي أبقى من الدنيا؛ لأنَّ بقاء الدنيا -كما أسلفْنا- قليلٌ زائلٌ مضمحِلٌّ، بخلاف بقاء الآخرة فإنَّه أبد الآبدين.