Tafsir Ibn Uthaymeen

Multiple Ayahs

Tags

Download Links

Tafsir Ibn Uthaymeen tafsir for Surah Al-Ghashiyah — Ayah 23

إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤

﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣، ٢٤] قال العلماء: ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى (لكنْ)؛ يعني أنَّ الاستثناء في الآية منقطعٌ وليس بمتَّصل، والفرق بين المتصل والمنقطع أنَّ المتصل يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، والمنقطع يكون أجنبيًّا منه؛ فمثلًا لو قلنا: إنَّه متَّصلٌ، لَصار معنى الآية: لستَ عليهم بمسيطرٍ إلا مَن تولَّى وكَفَر فأنت عليهم مسيطرٌ. وليس الأمر كذلك، بل المعنى: لكنْ مَن تولَّى وكفر بعد أن ذكَّرتَه فيعذِّبه الله العذابَ الأكبر. فمَن تولَّى وكَفَر بعد أن بلغه الوحيُ النازلُ على رسول الله ﷺ فإنَّه سيُعذَّب؛ ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾.

التولِّي يعني الإعراض، فلا يتَّجه للحقِّ، ولا يقبل الحقَّ، ولا يسمع الحقَّ، حتى لو سمعه بأُذُنه لم يسمعه بقلبه كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١] أي: لا ينقادون.

فهنا يقول عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾؛ ﴿تَوَلَّى﴾ أعرضَ، ﴿كَفَرَ﴾ أي: استكبر ولم يَقبل ما جاء به الرسولُ عليه الصلاة والسلام.

﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ يعني يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة ٢١]، والعذاب الأكبر يوم القيامة، وهنا قال: ﴿الْأَكْبَرَ﴾، ولم يذكر المفضَّل عليه؛ يعني لم يَقُل: الأكبر من كذا، فهو قد بلغ الغايةَ في الكِبَر والمشقَّة والإهانة، والعياذ بالله، كلُّ مَن تولَّى وكفر فإنَّ الله يعذِّبه العذابَ الأكبر.

هل هناك عذابٌ أصغر؟

نقول: نعم، فيه عذاب أصغر في الدنيا؛ قد يُبتلى المتولِّي المعرِض بأمراضٍ في بدنه، في عقله، في أهله، في ماله، في مجتمعه، وكلُّ هذا بالنسبة لعذاب النار عذابٌ أصغر، لكن العذاب الأكبر إنما يكون يوم القيامة، ولهذا قال بعدها: