الأمر الثالث مما به الإنذار في هذا اليوم بعد أن عرفْنا الأمرَ الأول وهو مجيء الله، ثم صفوف الملائكة قال: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر ٢٣] ﴿جِيءَ يَوْمَئِذٍ﴾ ولم يذكر الجائي، لكن قد دلَّت السُّنة أنه يؤتى بالنار تُقاد بسبعين ألف زِمام، كلُّ زِمامٍ منها يقوده سبعون ألف مَلَك[[أخرجه مسلم (2842 / 29)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، وما أدراك ما قوة الملائكة؟! قوةٌ ليست كقوة البشر ولا كقوة الجن، بل هي أعظم وأعظم بكثير، ولهذا لَمَّا قال عفريتٌ من الجن لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٣٩، ٤٠] فرآه مستقِرًّا عنده، قال العلماء: لأن الرجل هذا دعا الله، فحَمَلَتْه الملائكة فجاءت به إلى سليمان في الشام من اليمن، فقوَّة الملائكة عظيمة، وهم يجرُّون هذه النار بسبعين ألف زِمام، كل زِمام يجرُّه سبعون ألف مَلَك، إذَن هي عظيمة، نسأل الله العافية، ونسأل الله أن يُجيرنا وإياكم منها، هذه النار ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أي: رأتْ أهلها ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢]، وليس كزفير الطائرات أو المعدَّات، زفيرٌ تنخلع منه القلوب والعياذ بالله، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك ٨]، وقال الله عز وجل: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٨] تكاد تقطَّع من شدة الغيظ على أهلها والعياذ بالله، فلهذا أنذرنا الله تعالى منها، فهذه ثلاثة أمور كلُّها إنذار: مجيء الربِّ جل جلاله، صفوف الملائكة، الثالث: الإتيان بجهنم.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر ٢٣] ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ يتَّعظ، لكن أنَّى له الاتعاظ، فات الأوان، انقطع الاتعاظ بحضور الأجَل في الدنيا قبل أن يَصِل الإنسانُ إلى الآخرة، ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨]، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من المتَّعظين بآياته، ونسأله تعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا ورزقًا طيبًا واسعًا.
* * *
(...) كان من عادتنا أن نتكلم على ما يسَّر الله عز وجل من تفسير القرآن الكريم، وقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر ٢٤-٢٦]، وهذا هو آخر سورة الفجر.يقول الله عز وجل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني إذا جاء الله يوم القيامة، وجاء الملائكة صفوفًا صفوفًا وأحاطوا بالخلْق، وحصلت الأهوال والأفزاع، يتذكَّر الإنسان، يتذكَّر أنه وُعِد بهذا اليوم، وأنه أُعلِم به من قِبَل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأَنْذروا وخَوَّفوا، ولكن من حقَّتْ عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن ولو جاءتْه كلُّ آيةٍ، والعياذ بالله، حينئذٍ يتذكَّر، لكن يقول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، أين يكون له الذكرى في هذا اليوم الذي رأى فيه ما أُخبِر عنه يقينا! والإيمان عن المشاهدة لا ينفع؛ لأن كلَّ إنسان يؤمن بما شاهد، الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب؛ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]، فيصدِّق بما أخبرتْ به الرسل عن الله عز وجل وعن اليوم الآخر، في ذلك اليوم يتذكَّر الإنسان، ولكن قال الله عز وجل: ﴿أَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: بعيدٌ أن ينتفع بهذه الذكرى التي حصلت منه حين شاهد الحق.