﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ يعني: لنا الآخِرة والأُولى، الأُولى متقدِّمةٌ على الآخِرة في الزمن، لكنَّه في هذه الآية أخَّرَها، فلماذا؟
نقول: لفائدتين، الفائدة الأولى معنويَّة، والفائدة الثانية لفظيَّة.
أمَّا المعنويَّة فلأنَّ الآخِرة أهمُّ من الدنيا، ولأنَّ الآخِرة يظهر فيها مُلْكُ الله تعالى تمامًا؛ في الدنيا هناك رؤساء وهناك ملوك وهناك أُمراء يملكون ما أعطاهم الله عز وجل من الْمُلْك، لكن في الآخِرة لا مُلْكَ لأحدٍ؛ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فلهذا قدَّم ذِكْر الآخِرة من أجْل هذه الفائدة المعنويَّة.
أمَّا الفائدة اللفظية فهي مراعاة الفواصل؛ يعني أواخِر الآيات كُلُّها كما ترون آخرها أَلِف: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، فلو قال: وإنَّ لنا للأولى والآخرة، اختلفتْ رؤوسُ الآيات، فمِن ثَمَّ قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾.
هنا يتبيَّن أنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾، فما الفرق؟
الفرق أنَّ الهدى التزمَ الله تعالى ببيانه وإيضاحه للخَلْق، أمَّا الْمُلْك فهو لله، مُلْك الآخِرة والأولى، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾.