ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ وفِيهِ قِراءاتٌ خاشِعًا وخاشِعَةً وخُشَّعًا، فَمَن قَرَأ ”خاشِعًا“ عَلى قَوْلِ القائِلِ: يَخْشَعُ أبْصارُهم عَلى تَرْكِ التَّأْنِيثِ لِتَقَدُّمِ الفِعْلِ، ومَن قَرَأ ”خاشِعَةً“ عَلى قَوْلِهِ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣] ومَن قَرَأ خُشَّعًا فَلَهُ وُجُوهٌ.
أحَدُها: عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: يَخْشَعْنَ أبْصارُهم عَلى طَرِيقَةِ مَن يَقُولُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ.
ثانِيها: في ﴿خُشَّعًا﴾ ضَمِيرُ ”أبْصارُهم“ بَدَلٌ عَنْهُ، تَقْدِيرُهُ يَخْشَعُونَ أبْصارُهم عَلى بَدَلِ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِ القائِلِ: أعْجَبُونِي حُسْنُهم.
ثالِثُها: فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ يَخْرُجُونَ تَقْدِيرُهُ يَخْرُجُونَ خُشَّعًا أبْصارُهم عَلى بَدَلِ الِاشْتِمالِ والصَّحِيحُ خاشِعًا، رُوِيَ أنَّ مُجاهِدًا رَأى النَّبِيَّ ﷺ في مَنامِهِ فَقالَ لَهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ خُشَّعًا أبْصارُهم أوْ خاشِعًا أبْصارُهم ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: (خاشِعًا)، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ آخَرُ أظْهَرُ مِمّا قالُوهُ وهو أنْ يَكُونَ ”خُشَّعًا“ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي﴾ خُشَّعًا أيْ يَدْعُو هَؤُلاءِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّخْصِيصَ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ.
ثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَعْدَ الدُّعاءِ فَيَكُونُونَ خُشَّعًا قَبْلَ الخُرُوجِ، وإنَّهُ باطِلٌ.
ثالِثُها: قِراءَةُ ”خاشِعًا“ تُبْطِلُ هَذا.
نَقُولُ: أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ فَهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ: ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ يَدْفَعُ ذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ
صفحة ٣١
أحَدٍ لا يُدْعى إلى شَيْءٍ نُكُرٍ، وعَنِ الثّانِي المُرادُ: ”مِن شَيْءٍ نُكُرٍ“ الحِسابُ العَسِرُ يَعْنِي يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى الحِسابِ العَسِرِ خُشَّعًا ولا يَكُونُ العامِلُ في: ﴿يَوْمَ يَدْعُو﴾ ”يَخْرُجُونَ“ بَلِ اذْكُرُوا، أوْ: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ويَكُونُ يَخْرُجُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، وعَنِ الثّالِثِ أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ؛ و”خاشِعًا“ نُصِبَ عَلى الحالِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”يَدْعُو“ كَأنَّهُ يَقُولُ: يَدْعُو الدّاعِي قَوْمًا خاشِعًا أبْصارُهم والخُشُوعُ السُّكُونُ قالَ تَعالى: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ [طه: ١٠٨] وخُشُوعُ الأبْصارِ سُكُونُها عَلى كُلِّ حالٍ لا تَنْفَلِتُ يَمْنَةً ولا يَسْرَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] .وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ مَثَّلَهم بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ في الكَثْرَةِ والتَّمَوُّجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُنْتَشِرُ مُطاوِعُ نَشَرَهُ إذا أحْياهُ فَكَأنَّهم جَرادٌ يَتَحَرَّكُ مِنَ الأرْضِ ويَدِبُّ إشارَةً إلى كَيْفِيَّةِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأجْداثِ وضَعْفِهِمْ.