ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
فِي نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ وجْهٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ، وهو أنَّ المُعانِدَ لا يَخْلُو مِن أحَدِ أحْوالٍ ثَلاثَةٍ، إمّا أنْ يَسْتَمِرَّ عِنادُهُ، أوْ يُرْجى مِنهُ أنْ يَتْرُكَ العِنادَ، أوْ يَتْرُكَ العِنادَ ويَسْتَسْلِمَ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أحْوالَهم، وأمَرَ المُسْلِمِينَ أنْ يُعامِلُوهم في كُلِّ حالَةٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحالُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] فَهو إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّالِثَةِ، ثُمَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ وتَنْبِيهٌ وحَثٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، لِأنَّهُ تَعالى ما أمَرَ المُؤْمِنِينَ في مُقابَلَةِ تِلْكَ الأحْوالِ الثَّلاثِ بِالجَزاءِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وبِالكَلامِ إلّا بِالَّذِي هو ألْيَقُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى سَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ لِصُدُورِ ما يَقْتَضِي الإيمانَ وهو كَلِمَةُ الشَّهادَةِ مِنهُنَّ، ولَمْ يَظْهَرْ مِنهُنَّ ما هو المُنافِي لَهُ، أوْ لِأنَّهُنَّ مُشارِفاتٌ لِثَباتِ إيمانِهِنَّ بِالِامْتِحانِ، وهو الِابْتِلاءُ بِالحَلِفِ، والحَلِفُ لِأجْلِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإيمانِهِنَّ، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلْمُمْتَحِنَةِ: ”بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما خَرَجْتِ مِن بُغْضِ زَوْجٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ رَغْبَةً مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ التِماسَ دُنْيا، بِاللَّهِ ما خَرَجْتِ إلّا حُبًّا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ“» وقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ مِنكم واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ الغالِبِ بِالحَلِفِ وغَيْرِهِ، ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ أيْ تَرُدُّوهُنَّ إلى أزْواجِهِنَّ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾ أيْ أعْطُوا أزْواجَهُنَّ مِثْلَ ما دَفَعُوا إلَيْهِنَّ مِنَ المُهُورِ، وذَلِكَ «أنَّ الصُّلْحَ عامَ الحُدَيْبِيَةَ كانَ عَلى أنَّ مَن أتاكم مِن أهْلِ مَكَّةَ» يُرَدُّ إلَيْهِمْ، ومَن أتى مَكَّةَ مِنكم لَمْ يُرَدَّ إلَيْكم، وكَتَبُوا بِذَلِكَ العَهْدِ كِتابًا وخَتَمُوهُ، فَجاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً والنَّبِيُّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَأقْبَلَ زَوْجُها مُسافِرٌ المَخْزُومِيُّ، وقِيلَ: صَيْفِيُّ بْنُ الرّاهِبِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي فَإنَّكَ قَدْ شَرَطْتَ لَنا شَرْطًا أنْ تَرُدَّ عَلَيْنا مَن أتاكَ مِنّا، وهَذِهِ طَيَّةُ الكِتابِ لَمْ تَجِفَّ، فَنَزَلَتْ بَيانًا لِأنَّ الشَّرْطَ إنَّما كانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ. «وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّها جاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وهي عاتِقٌ، فَجاءَ أهْلُها يَطْلُبُونَ مِن رَسُولِ صفحة ٢٦٥
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أمْرٌ بِمَعْنى الوُجُوبِ، أوْ بِمَعْنى النَّدْبِ، أوْ بِغَيْرِ هَذا وذَلِكَ، قالَ الواحِدِيُّ: هو بِمَعْنى الِاسْتِحْبابِ.
الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن غَيْرِ شَكٍّ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ بَيانُ أنْ لا سَبِيلَ إلى ما تَطْمَئِنُّ بِهِ النَّفْسُ مِنَ الإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ إيمانِهِنَّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ.
الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ دُونَ الآخَرِ ؟ نَقُولُ: هَذا بِاعْتِبارِ الإيمانِ مِن جانِبِهِنَّ ومِن جانِبِهِمْ إذِ الإيمانُ مِنَ الجانِبَيْنِ شَرْطٌ لِلْحِلِّ؛ ولِأنَّ الذِّكْرَ مِنَ الجانِبَيْنِ مُؤَكَّدٌ لِارْتِفاعِ الحِلِّ، وفِيهِ مِنَ الإفادَةِ ما لا يَكُونُ في غَيْرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنْ يَكْفِي قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ أحَدُهُما لِلْآخَرِ فَلا حاجَةَ إلى الزِّيادَةِ عَلَيْهِ، والمَقْصُودُ هَذا لا غَيْرُ. نَقُولُ: التَّلَفُّظُ بِهَذا اللَّفْظِ لا يُفِيدُ ارْتِفاعَ الحِلِّ مِنَ الجانِبَيْنِ بِخِلافِ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ وهَذا ظاهِرٌ.
البَحْثُ الرّابِعُ: كَيْفَ سَمّى الظَّنَّ عِلْمًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾ ؟ نَقُولُ: إنَّهُ مِن بابِ أنَّ الظَّنَّ الغالِبَ وما يُفْضِي إلَيْهِ الِاجْتِهادُ، والقِياسُ جارٍ مَجْرى العِلْمِ، وأنَّ صاحِبَهُ غَيْرُ داخِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] .